تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي عن بدرة مولاة ابن عباس قالت: (بعثتني ميمونة بنت الحارث، وحفصة بنت عمر -وهما من أمهات المؤمنين- إلى امرأة ابن عباس رضي الله عنهم وكانت بينهما قرابة من جهة النساء، فوجدت فراشه معتزلا فراشها، فظننت أن ذلك عن الهجران فسألتها، فقالت: إذا طمثت "حضت" اعتزل فراشي، فرجعت فأخبرتها بذلك فردتني إلى ابن عباس وقالت: (تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه، وإنها حائض وما بينها وبينه إلا ثوب ما يجاوز الركبتين) (أحكام القرآن لابن العربي جـ1، ص163).

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر نساءه بالاتزار أثناء الطمث، فإنه لم يلزم أصحابه بذلك، وصح أنه أباح الاستمتاع بالبدن كله ما عدا موضع الأذى "الفرج" فدل على أن الأمر بالاتزار للاستحباب، لأخذ الحذر والاحتياط.

ففي صحيح مسلم عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن (أي ساكنوهن) في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى آخر الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). فبلغ ذلك اليهود فقالوا… ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن الحضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا… أفلا نجامعهن؟ (أي مخالفة لليهود) فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم… وقال القرطبي… قال علماؤنا: "كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعوهن في الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين" (تفسير القرطبي جـ3، ص81).

وبهذا التفسير النبوي للآية، والتطبيق العملي لها، تأكدت وسطية الإسلام واعتداله وسماحته بين المغالين والمفرطين، وبين المقصرين والمفرطين من أصحاب الملل والنحل، فهل يجوز لمسلم أو منصف بعد ذلك أن يزعم التعارض بين الآية الكريمة وبين حديث البخاري عن عائشة وميمونة رضي الله عنهما، وينسب إلى الجامع الصحيح اشتماله على أحاديث مناقضة لما أنزل الله في محكم كتابه. ويحكم على هذا الحديث المتفق على صحته بأنه منكر ومفترى.

يا عجبا. كأن الكاتب الذي تربع على منصة الإفتاء ظلما وزورا يظن أن البخاري وغيره من أئمة السنة كانوا متسولين يأخذون الحديث عن كل من هب ودب، فكل من قال لهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم… قالوا له: صدقت، هات ما عندك وفرحوا به، كما يفرح الصبي بقطعة الحلوى!!

لا يا مفتي "العربي" لقد كانوا لا يقبلون قولا حتى يعلموا أصله ومصدره، ولهذا اشترطوا الإسناد الذي تفردت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم.

قال ابن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". وقال غيره: طالب علم بلا إسناد كحاطب بليل. ونظر الشافعي في تفسير اشتمل على قصص وعبر، فقال: يا له من علم لو كان له إسناد!!

ولم يكونوا يقبلون أي إسناد يذكر، بل يضعون كل راو من رواة السند على مشرحة التحليل، يسألون عنه… عن عقله ودينه… وخلقه وسيرته، وعن شيوخه وتلامذته، فمن اشتبهوا فيه أسقطوه، وردوا حديثه، ومن قامت الدلائل على صدقه وحفظه وعدالته وضبطه رووا عنه وقبلوه، وقد كان من ثمرات هذه البحوث المتشعبة المستفيضة علمان جليلان من علوم السنة هما… علم رجال الحديث وعلم الجرح والتعديل.

وكانوا يجوبون الآفاق، ويذرعون الأرض، طلبا للحديث ممن سمعه بأذنيه، قال سعيد بن المسيب: (إنا كنا نسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد).

وسأل رجل الشعبي عن مسألة فأفتاه فيها ثم قال: (خذها بغير شيء وإن كنا نسير فيما دونها من الكوفة إلى المدينة).

ولنأخذ لذلك مثلا… حديث عائشة الذي رده الصحفي المفتي، وزعم أنه منكر ومفترى (ونعوذ بالله من ذلك) إن سند هذا الحديث -عند من له أدنى ذوق بهذا العلم- نير كضوء الشمس. فقد رواه البخاري عن شيخه قبيصة بن عقبة، قال حدثنا سفيان، عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ورجال هذا السند كلهم كوفيون، تلقى بعضهم عن بعض، خلفا عن سلف فهم تلاميذ المدرسة الكوفية التي أسسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وخرجت أساطين العلم، وأعلام الهدى في الحديث والفقه، وفي العلم والسلوك، أمثال الأسود وعلقمة وإبراهيم وحماد بن سليمان وسفيان الثوري، وأبي حنيفة النعمان وغيرهم من عظماء الإسلام.

ورواة هذا الحديث الشريف… سفيان الثوري ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي والأسود النخعي، كل واحد منهم جبل من جبال العلم، وبحر من بحور الرواية وإمام من أئمة الدين، لا ترقى ذرة من شك إلى أمانتهم أو علمهم… أو وعيهم، حتى يأتي مفتي "العربي" في آخر الزمان فيتهمهم بخيانة الأمة وتضليل أجيالها وتحريف دينها، والكذب على رسولها باختراع الأحاديث المفتراة المنكرة (سبحانك هذا بهتان عظيم).

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدينص ٥٦٠