تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعجب أن كاتب ذلك العنوان المثير سلك للتدليل عليه منهجا غير مستقيم، منهجا لا يرضى عنه العلم، ولا يرضى عنه الخلق، ولا يرضى عنه الدين.

فقد مهد للحملة على صحيح البخاري بذكر جملة من الأحاديث الموضوعة أو التي لا أصل لها بالإجماع، مع عدم الحاجة إلى ذكر هذه الأحاديث، فقد وئدت في مهدها بفضل جهود أئمة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في سبيل خدمة السنة النبوية، وتنقيتها من زيف المزيفين، وانتحال المبطلين، وقد قيل للإمام عبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة! فقال: "تعيش لها الجهابذة" وصدق عبد الله فقد عاشوا لها، وماتت هي ولله الحمد، وحفظ الله دينه، وصدق وعده: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)الحجر:9.

ولا ريب أن حفظ الذكر "القرآن" إنما يتم بحفظ ما يبينه ويشرحه، وهي السنة التي خاطب الله صاحبها بقوله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)النحل:44.

أجل. لم يكن من الجد أن يحشر الأستاذ مجموعة من الأباطيل المكشوفة مثل .."عليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيا" ونحوه، فإن أصل الموضوع الذي جرت فيه المناقشة هو تنقية كتب التفسير والحديث مما فيها من شوائب وإسرائيليات فما لهذه الكتب ومثل "اتخذوا الحمام المقاصيص.." ..الخ؟؟

إن إيراد ذلك في مثل هذا المقام يوهم القراء أن كتب الحديث روت هذه الأباطيل أو اعتمدتها، أو سكت علماء الحديث عن بيان درجتها، وهو إيهام غير صحيح قطعا. وهو يدل على أن الغرض من وراء هذه الحملة إنما هو التشويش والتشكيك في الإسلام ومصادره وأئمته بالجد والهزل والهدم بكل معول تناله اليد.

وأغرب من ذلك أن الكاتب ذكر هذه الأحاديث الباطلة المفضوحة بلا شك، ثم قال بالحرف الواحد -ويا لهول ما قال- "ليس هذا فقط، فإن في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ما هو أدهى من ذلك وأمر، في مخالفة أمر ما أمر الله به عباده وأنزله في محكم كتابه".

يا لله! أصحيح البخاري وكتب الحديث فيها أدهى وأمر من الأحاديث المكذوبة المفتراة التي ذكرها الكاتب!! أما والله لو صح ذلك لكان الأستاذ أعظم المكتشفين في العصر الحديث، فقد أزاح الستار عن حقائق غابت عن الأمة الإسلامية كلها اثنى عشر قرنا، حتى أتى هو آخر الزمان بما لم تستطعه الأوائل!!

ترى ما هذه الأحاديث التي رواها البخاري وهي عند الكاتب أدهى وأمر مما ذكر من الأكاذيب والأباطيل؟

لقد تمخض الجمل ولم يلد شيئا، لم يلد فأرا ولا ضفدعة. وذكر الكاتب حديثين رواهما البخاري (كما يقول) زعمهما مخالفين لكتاب الله. فلنقف قليلا لكي نناقش الكاتب في زعمه الخطير:

الحديث الأول: رواه البخاري في كتاب الحيض عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) وقال الكاتب: ونسبوا مثل ذلك إلى "ميمونة" إحدى زوجات الرسول…

يرى الكاتب ذلك مخالفا للآية الكريمة (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن).

وكان على (علامة دهره وفريد عصره) أن يجلو لنا وجه المخالفة والتعارض بين الآية والحديث، وذلك لا يكون إلا ببيان المراد من الاعتزال المأمور به في الآية، والمباشرة المروية في الحديث، ليبين للقارئ أهما متعارضان حقا أم لا؟

فالذي يبدو أنه إما فسر المباشرة بأنها الجماع، فقد تطلق على ذلك كما في قوله تعالى: (فالآن باشروهن)البقرة:187. وإما أنه فسر اعتزال المرأة في الحيض بأنه اعتزال فراشها وتحريم جميع بدنها على الزوج!!

وكلا التفسيرين خطأ.

أما تفسير المباشرة بالجماع، فيرده لفظ الحديث نفسه، إذ تقول عائشة (يأمرني فأتزر فيباشرني) والاتزار: شد الإزار على الوسط وأمرها بذلك يبين المراد من المباشرة.

يؤيد ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة نفسها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب) ومثله عن ميمونة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض).

ولو تواضع الأستاذ قليلا، ورجع إلى مصدر قريب في اللغة أو التفسير، أو غريب الحديث، أو شروحه، لاتضح له معنى المباشرة الذي أزعجه، وأقض مضجعه، قال في القاموس: باشر المرأة… جامعها أو صارا في ثوب واحد، فباشرت بشرته بشرتها "وإذا كان الكاتب لا يعرف طريقة الكشف عن الألفاظ في القاموس واللسان ونحوهما ولا يصبر عليها، فيستطيع أن يتناول أحدث معجم أخرجه المجمع اللغوي في القاهرة ليجد هذا "المعجم الوسيط" يقول: (باشر زوجه مباشرة وبشارا، لامست بشرته بشرتها… وغشيها).

وقد وردت المباشرة في القرآن بمعنى الجماع، وبمعنى القبلة والملامسة، وذلك في آية واحدة، والقرينة والسياق مع السنة النبوية هي التي تحدد المراد.

قال تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا..) إلى أن قال: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدينص ٥٥٨