والكلام عن الأحاديث الموضوعة مما لا تتسع له صفحات هذا الباب… لكنني مع ذلك أقبل تحديك يا جابر عثرات الكرام، وأسألك كيف يعقل أن يقول الرسول صلوات الله عليه (اختلاف أمتي رحمة) أو (اختلاف أصحابي رحمة) في بعض الروايات، بينما الله تعالى يقول في محكم كتابه (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ويقول جل شأنه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ويقول: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد).
وليت شعري إذا كان جزاء "من أطعم أخاه خبزا حتى يشبعه، وسقاه ماء حتى يرويه، أبعده الله عن النار سبع خنادق، ما بين كل خندقين منها مسيرة خمسمائة عام" فما ترى يكون جزاء من يطعم كل يوم عشرة مساكين حتى يشبعوا ويسقيهم حتى يرتووا؟؟
وكيف يعقل أن يقول الرسول (إن الدنيا حرام على أهل الآخرة، وإن الآخرة حرام على أهل الدنيا) والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا) ويقول جل شأنه (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)!؟
وكيف يقول (الطاعون وخز إخوانكم الجن) وفي رواية أخرى (أعدائكم الجن)؟! وكيف يقول: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)؟ وكيف يقول: (اتخذوا الحمام المقاصيص، فإنها تلهي الجن عن صبيانكم)؟!! وكيف يقول: (عليكم بالقرع، فإنه يزيد في الدماغ… وعليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيا)؟!! أو يقول: (زينوا موائدكم بالبقل، فإنه مطردة للشيطان)؟!!
ليس هذا فقط يا جابر عثرات الكرام! فإن في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ما هو أدهى من ذلك وأمر، في مخالفة ما أمر الله به عباده، وأنزله في محكم كتابه.
قال تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) وهذا أمر صريح في ألا يقرب الرجل زوجته وهي في الحيض… ولكن البخاري وأصحابه -سامحهم الله وغفر لهم، ينسبون إلى السيدة عائشة في "كتاب الحيض" أنها قالت: (كان النبي يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض)! ونسبوا مثل ذلك إلى "ميمونة" إحدى زوجات الرسول.
فما الذي يفهمه الناس من هذه الأحاديث، إلا أن الرسول كان يباشر زوجته في فترات حيضهن، خلافا لما أمره الله به!!
فهل يرضيك ذلك أو يرضي أحدا من المسلمين؟! وهل يعقل أن يصدر هذا الفعل المنكر عن نبي، بل عن سيد الأنبياء؟!
ثم اسمع أيضا… يقول الله تعالى في سورتي النساء والمائدة، في حكم الطهارة من الجنابة، (.. أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) إلى آخر الآية… ويقول البخاري: إن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال له عمر: "لا تصل"!!
أما ثالثة الأثافي فهي عن زيد بن أنس، بسند صحيح على شرط "الشيخين" وصححه ابن حزم في "الإحكام" وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" قال: أمطرت السماء بردا في رمضان فقال أبو طلحة: "ناولني من هذا البرد" فجعل يأكل منه وهو صائم! فقلت: "أتأكل البرد وأنت صائم"؟ فقال: "إنما هو برد نزل من السماء نطهر به بطوننا، وإنه ليس بطعام ولا بشراب.. إنما هو بركة! فأتيت رسول الله فأخبرته بذلك فقال: "خذها من عمك"!!
ولو صح هذا -يا جابر عثرات الكرام- لكان أكل البرد في رمضان لا يفطر، وهذا ما لا يقول به مسلم على الإطلاق، حتى ولو ورد ألف مرة في "البخاري" و"مسلم" وكل كتاب الصحاح..!
من أجل ذلك وأمثاله نطالب بتنقية كتب التفسير والحديث من تلك الخزعبلات والمفتريات يا جابر عثرات الكرام..
أفلا تزال بعد ذلك كله مصرا على التحدي؟! إني على أي حال مستعد لالتقاط القفاز. اهـ.
نرجو بيان رأيكم في هذا الكلام من الناحية الشرعية والعلمية، وخصوصا فيما يتعلق بصحيح البخاري، والتشكيك فيه، لما له من منزلة في نفس كل مسلم.
ج: لقد فوجئت وفوجئ كل مسلم، بل كل منصف، بما نشرته مجلة "العربي" في عددها الأخير (شباط 66) عن الحديث النبوي في باب "أنت تسأل ونحن نجيب" الذي يشرف عليه السيد عبد الوارث كبير، ودهش القراء لهذه الحملة المنكرة بالعناوين البارزة وبالبنط العريض، على أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن "الجامع الصحيح للبخاري" الذي تلقته الأمة -منذ اثني عشر قرنا بالقبول والرضا جيلا بعد جيل، الخاصة منها والعامة حتى إن الناس إذا أرادوا أن يهونوا من خطأ وقع فيه إنسان قالوا: "إنه لم يخطئ في البخاري" ولكن المجلة -ويا للهول- نشرت عنوانا ضخما تقول فيه… "صحيح البخاري ليس كله صحيحا- وليست هذه الأحاديث مفتراة بل منكرة".
لقد قف شعر رأسي، واقشعر جلدي، حين وقعت عيني على هذه العناوين المثيرة التي تحدت بها المجلة مشاعر المسلمين، وصدمت أفكارهم بما يشبه القذائف المدمرة وما لقيت أحدا قرأ هذا الشيء أو سمع به إلا أنكره واستبشعه، وحوقل واسترجع، وعجب الناس وعجبت معهم كيف يصدر هذا المنكر من مجلة عربية في بلد عربي مسلم، تطبع بمال المسلمين، ويحررها مسلمون أيضا، كما يفهم ذلك من أسمائهم!!