وهكذا تواصل القتال كما أشارت اليمامة التي خذلت أمها وقبيلتها؛ حيث أفنى الزير زهرات وأبطال التغلبيين، ولم تنفع فيه حيل جساس بحفر حفر الإيقاع بالمهلهل، وهي الحيل التي لجأ إليها سلطان المكار حين حفر ثلاث حفر وغطاها بالقش ليوقع فيها المهلهل في مواجهة جساس فيقتله، إلا أن حصان المهلهل أبو حجلان أنقذه فقتل الزير في هذه الحرب عمه الأمير مرة، وفر أمامه جساس هاربا.
ويذكرنا مشهد القتال داخل الحفر بالأوريستا، وكذا وبقتال هاملت - داخل قبر أوفيليا - لأخيها لايرتس.
وهنا يستطرد نص الزير سالم في حكاية جانبية عن عودة الأمير «شيبون» ابن أخته الضباع من حروب الروم، ويفجعه من فوره قتل الزير لأخيه وفتكه بقومه.
فيستعد لحربه ويمضي يسخر منه «ككلبي» حميري، والسخرية المرة منه، بما يشير إلى أن الزير حميري، أو أن طوطمه الحمار، كأن يرسل له من يبيعه مهرا، ما إن يستحسنه الزير سالم حتى يستبدله ب «كر» حمار أو أتان يستعصي عليه ركوبه، فيمضي سابا الأتان والحمير: «الحمار يقتني الحمار.»
| هذه الحضارة الكلبية الحميرية وطواطمها
وما إن انتهت الهدنة القصيرة حتى اندلعت تلك الحروب القبائلية المتوالية التي عادة ما تنتهي بانتصارات المهلهل وسبي وقتل وأسر القبائل البكرية أو القيسية.
إلى أن رجحت كفتهم لفترة بعودة الأمير شيبون ابن الأمير همام وابن الضباع الذي سبق للزير قطع رأس أخيه شيبان، وتخبرنا الملحمة أنه كان غائبا في حملة من الفرسان لغزو بلاد الروم، وعاد من فوره لقتال خاله الزير الذي حاول في البداية إثناءه عن منازلته عقب رسالة شيبون له التي فيها سخر من الزير سالم، وعايره بأنه من قوم يركبون الحمير ويقتنونها.
ويرجع هنا أن هذا هو النص المستحدث في العصور الوسيطة الإسلامية، أما التصور بالنسبة للنص الطوطمي الأم هو أن شيبون استخف وأهان الآلهة الطواطم لمجموع البطون والقبائل الحميرية الكلبية التي يتزعمها خاله الزير سالم، قائلا:
قد أخبروني يوم جئت بأنك
يا قليل العقل تركب الحمير
ما يقني الحمار إلا الحمار
ما أنا مثلك ولا عقلي صغير
وهنا أجابه الزير مهددا ومنكلا بدوره بآلهة وطواطم ابن أخته ضباع - شيبون - سابا آلهته من نوق وبعير:
قال أبو ليلى المهلهل ثم قال
أنت يا شيبون ما عاد لك مجير
هرجت يا شيبون في قولك كثير
الجحش لا يحمل كما يحمل بعير
ويتضح هنا - بل يمكن القول - ويستشف مدى ذلك التراشق الطوطمي بين الحميريين والجمالة، أو بين الآلهة الطواطم من حمير «أتان» راسخة لا تحمل بذات سهولة البعير أو النوق حديثة الولادة.
وإذا كنا قد تعرضنا في فصول سابقة لناقة البسوس التي من نسل ناقة صالح، وبالناقة - عامة - طوطم الإله هبل أو بعل، فلا بأس من الإلمام بالحمار والأتان ودورهما الطوطمي والأثنوجرافي في تراث الأقوام الشامية والأردنية والفلسطينية خاصة.
ويصف سفر التكوين - أو الإله يهوه - إسماعيل أبا العرب العدنانيين «كحمار وحشي بين الرجال.»
ولعل في الإمكان تصور أن ذلك الصراع القبلي الشوفيني الموغل في العصبية القبلية والقدم، والذي هو صراع بين أبناء العائلة - ولنقل: البطن القبائلية الواحدة - ذلك إذا ما اعتبرنا - بحسب الاستقراء المتوفر للنصوص التي تسمح بالمقارنة - أن كليهما - بكر وربيعة - قحطاني يمني.
يؤكد هذا الافتراض - أو الاعتبار - في القول بأن الكلبيين حميريون بحسب ما يتيح من اتساق كل من النسب والطوطم، فمن حمير ملوك بني قضاعة وبنو كلب بن وبرة وهم الكلبيون أو بنو كلاب.
وعلى هذا يمكن القول بأن «كل كلبي هو حميري»، أو أن حمير في موقع السلف الأكبر لهذه القبائل الكلبية، انتسابا إلى ملكهم المغتال كليب وأخيه بطل سيرتنا هذه - الزير سالم - الذي أسماه العرب الكلاسيكيون بالمهلهل، وفسروا هذه التسمية بأنه كان أول من هلهل الشعر، وهي تسمية لا تستقيم بالقطع مع شعره الإنشادي ومراثيه ومعلقاته التي تطالعنا، والتي لعبت أعمق الآثار غورا في بحار الشعر الفولكلوري - المصرية - العربية.