وذهبوا به ليلا إلى أخته «ضباع»
5
التي أظهرت لهم السرور صارخة: «إن جزاء الغدار الحرق بالنار» ووعدتهم بحرقه، وما إن تركوها وساروا - معلنين خبر القضاء على المهلهل - حتى داهمتها الحيرة، صحيح أنه قتل ولدها، لكن أخاها الزير «شيد للقبيلة ذكرا لا يبور مدى الدهور.»
وهنا يذكر النص صحوة المهلهل «وهو على آخر رمق»، وما إن علم بما أصبح فيه، حتى أنشد:
قال الزير أبو ليلى المهلهل
ونار الحزن توقد في حشاه
فكان كليب ملك للبرايا
أتى جساس فغدره بالفلاه
جلست مكانه أخذا لثأره
وكنت أنعيه صباحا مع مساه
فقال الشيخ: كف الحرب عاجل
ولا تنقل لسيف أو قناه
جلست بخيمتي والدن
6
جنبي
وعندي العبد ما عندي سواه
وقومي كلهم للصيد راحوا
فعرف القوم مع باقي العداه
أتوني والمقدر كان كائن
وحل بي كل ما أنت تراه
أتوا بي لعندك يا أخت حتى
تنالي الثأر يا غاية مناه
كليني يا ضباع أو اقتليني
أنا أخوك إذا احتبك القناه
فأنت تشبهي اللبوات حقا
وأنا مثل سبع للفلاه
فألقيني بصندوق مزفت
وارميني ببحر مياه
وهنا يلاحظ أن الزير سالم يبدأ إخبار أخته الضباع بما حدث واصفا أخاها المغتال كليب بأنه كان «ملك البرايا»، ثم يعرج على وصف «الضباع» بأنها «تشبه اللبؤات حقا.»
ويلاحظ أن اللبؤة على عكس الضبع في قائمة الحيوانات والطيور السامة تصنف مع الطيور الملكية، رغم أنها حيوان أو طائر نجس محرم
Taboo ، مثلها مثل البجعة والطائر أبيس - أبو قردان - والنسر والغراب، فهم جميعا ليسوا من أصول سامية، رغم أنهم كانوا مقدسين عند اليونان والرومان والفراعنة.
كذلك يلاحظ أن الزير هو الذي أشار إليها بإلقائه في البحر مثله مثل الآلهة الممزقة - خاصة أوزيريس - ذلك أن بكائيات الضباع هنا تتقارب مع ندب إيزيس، وهو ما لا يزال محفوظا داخل البكائيات الجنائزية، وتحفظه الندابات
7
المعاصرات:
تقول ضباع من قلب حزين
أيا عيني فزيدي من بكاها
فحطيته
8
بصندوق مقفل
من بني مرة ما يعلم حداها
وقلت له: روح يا جمل المحامل
أيا عامود بيتي انحناها
| الضباع تلقي بتابوت جثمان المهلهل في اليم
ومرة ثانية يكتنف الغموض الثقيل هذا النص أو النصوص، فلا يخبرنا إذا ما كان المهلهل قد مات أو أنه ما يزال غارقا في جراحه حيا.
ذلك أن ضباع جاءت بصندوق أو كفن «زفتته وطلته بالقار»، ووضعت فيه جثمان المهلهل المثخن الجراح، بنفس ما فعلته الربة إيزيس وأم موسى، وحملته بمساعدة عبيدها ليلا، فطرحته في البحر «وتوقفت على شاطئه تبكيه وتندبه أحر بكاء.»
وفي ذات الوقت الذي عادت فيه إلى قومها، فأشاعت مبتهجة في بني قيس أنها أحرقته بالنار.
وعلى هذا النحو أيضا وصل الخبر وشاع في قبائل المهلهل ذاتها، فشق قومه ملابسهم حزنا وهلعا مما لحق بملكهم وفارسهم.
إلا أن الصندوق أو الكفن الذي حوى جثمان الزير سالم المسجى اندفع بهذا الإله الذبيح - كالأوزوريس - إلى أن قذفت به الأمواج على شاطئ بالقرب من مدينة نعتقد أنها مدينة حيفا الفلسطينية، حيث ستجري فيها وعبرها معظم أحداث غربة الزير في «بلاد اليهود»، أو بلاد الملك اليهودي حكمون.
ولا نعرف من أين جاءت وخالطت نصنا مؤثرات عبرية؛ ذلك أن الصندوق وصل بالزير إلى مقربة من قصر الملك أو الحكيم حكمون اليهودي وابنته «استير»، كما وصل صندوق أوزيريس إلى قصر ملك بيبلوص أو جبيل بلبنان، ووصل صندوق موسى إلى قصر فرعون وابنته البرصاء.
وتتوالى سلسلة من الأحداث الدخيلة
1
الملفقة بين الزير وملك اليهود، ذاك الذي أوكل إلى حكيم عنده يدعى «شمعون» بعلاج الزير حتى شفي، واستقدمه وسأله عن حاله وهو يلقبه «بالموحد»
2
قائلا:
قال اليوم حكمون الملك
يا موحد استمع مني المقال
هات لي أحكي ما صار فيك
ما عملت وما فعلت من الفعال
حتى طعنت يا موحد بالرماح
وجرحوك كثير بسيوف ثقال
وهنا أجابه الزير سالم منشدا: