فما بالنا ونحن بإزاء أرض قاحلة لسيرنا وملاحمنا العربية بعامة، وسيرتنا هذه - الزير سالم - بخاصة، وإن حدث ووجدت دراسات فهي أدبية مغلوطة إن لم تكن ملفقة، بعيدة كل البعد عن العلمية، والمدى الذي قطعته هذه العلوم الأثنوجرافية.
وإذا ما قصرنا بحثنا هذا على قضية بسيطة جانبية مثلا حول الأصول الفلسطينية الواضحة لهذه السيرة.
فحتى أيامنا لم يخبرنا باحث أو دارس أو مهتم عربي إلى أننا بإزاء سيرتين شبه مختلفتين للزير سالم أبو ليلى المهلهل؛ إحداهما متناثرات فصحى أو عربية كلاسيكية، والأخرى شعبية فولكلورية لطبعات متعددة متواترة - ربما منذ دخول المطبعة بلادنا مع جحافل الاستعمار الفرنسي - يجري تداولاها، ولا تعارض بينها - أي الطبعات الشعبية - وبين المأثورات الشفاهية الفولكلورية المبددة على طول الكيانات العربية مشوقا ومغريا.
بل إنه إلى أيامنا لم نتمكن بعد من حصر جسد هذه السيرة ونصوصها المتعددة من فصحى لعامية، وما داخلها من سير أسبق، وأخرى لاحقة أو تالية، وكذا كل ما يتصل بشخصياتها: التبع حسان اليماني الذي غزا سوريا ولبنان والأردن وفلسطين بألف سفينة حربية ومائة ألف مقاتل، إلى أن اغتاله بمؤامرة كليب بن ربيعة الذي اغتاله بدوره جساس بن مرة، فكانت حرب البسوس الشهيرة التي قادها البطل - الفلسطيني المنشأ بوادي بئر سبع الفلسطينية - الزير سالم أبو ليلى المهلهل، والذي ستشغل حروبه - المعروفة بحرب البسوس التي امتدت أربعين سنة - الجسد الأعظم لهذه السيرة الملحمية الأسطورية الطوطمية.
والغريب أن الزير سالم - كتجسيد للبطل الشعبي المقاتل الخارق - يتبدى على طول السيرة متحليا بكل فضائل وقيم البطل الشعبي الذي يرفض أن يطعن من الظهر أو يتآمر، أو يغتصب أو يتسلط، حتى ولو كان الأمر متصلا بتصرف أو موقف أخلاقي بإزاء حيوان، أسد جائع صادفه في بئر سبع، أو إنسان ذليل بعث به عدوه ومغتال أخيه كليب ليرقد في قبره، حتى إذا ما جاءه المهلهل ليستشير جثمان أخيه، يتصنع صوت أخيه الملك كليب ويطالبه بالاكتفاء ووقف القتال، وعندما يكتشف المهلهل خدعته، ويصارحه الرجل الواجف بالخدعة، وبحاجته لأكل العيش، يضحك ويعفو عنه، ويعطيه حصانا ومائة دينار مطمئنا.
ناهيك عن أشعاره ومعلقاته ومواجعه التي وجدت صداها على طول العصور لمستمعي السير والملاحم في الأسواق والموالد والمنتديات الشعبية، في عصور ما قبل المعرفة بالتليفزيون ومسلسلاته الملفقة إياها.
حين ينشد راوي السيرة - متوجعا - مربعاته:
ما تجيش بلا طب
لو وصل درهمي دينار
5
إياك تلوم المبالي يا خلي
دي نار
قوم شد على بكر شامي
في دجى الأسحار
اسعى وهاتلي دوا
يقطب عليه جرحي
دا أنا جرحي حير
جميع الطب والأسحار
والملفت أن المهلهل أو الزير سالم لم يتبد أبدا في موقف سلطوي أو متسلط باستثناء حروبه ومنازلاته وتجبره القبلي الانتقامي، وتعشقه الدموي بالحرب وأخذ الثأر، حتى إن الزير سالم قطع على نفسه أن «لا يهم بصلح، ولا يشرب خمرا ولا يلهو بلهو ولا يحل لأمته - أي ما يربط أو يلأم درعه الحديدي - ولا يغتسل بماء» حتى كان جليسه يتأذى منه من رائحة صدأ الحديد.
كل هذه المحرمات واللاءات إلى أن يحقق انتقامه من مغتالي أخيه كليب وقبيلته.
فكان لا ينسى القتال لومضه، حتى أنه عندما انكسر الكلبيون - أو التغلبيون - بقيادته ذات غزو، وأحاط بالمهلهل عقب عودته من الحرب النساء والأبناء يسألونه عن آبائهم، قال مترفعا قولته المأثورة:
ليس مثلي يخبر الناس عن
آبائهم قتلوا وينسى القتالا
وإذا ما تجاوزنا دوره القتالي القبلي، نجد مواقف الزير سالم وعلاقاته - عادة - أقرب إلى بسطاء الناس في كلا منبته ومنفاه الاختياري بوادي بير سبع بفلسطين، فحتى عندما توسع إليه أخوه الملك كليب حين زاره ببير سبع وطالبه بالعودة معه إلى دمشق عاصمة ملكه المتناهي «من مكة لأرض الروم» لينصبه ملكا على العرب؛ رفض الزير سالم الملك، وحتى بعد مصرع كليب ظل طويلا يبكيه وينعيه في واديه الانعزالي الموحش، يسكر عن أحزانه إلى أن هاجمه قومه وبنات كليب بريادة اليمامة، وانتزعوه انتزاعا من منفاه ببئر سبع، وعادوا به إلى عاصمة ملكه الجديد: دمشق.