تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعادة ما يتوارى التاريخ في ثنايا مثل هذه السير والملاحم الأسطورية العربية؛ ذلك أنه تاريخ أسطوري أو طوطمي، تخالط الخرافة فيه التاريخ العيني أو الإركيولوجي ...

بل والغريب أن مخالطة الأساطير للتاريخ - والعكس - كانت على الدوام إحدى سمات حضارات شرقنا الأدنى القديم أو الأوسط المعاصر؛ من ذلك تاريخ ما بين النهرين في كلدة وبابل وآشور، الذي تعرف عليه الباحثون من مدونات «ستيزياس»، وكان طبيب إغريقي يعمل في بلاط أحد ملوك بابل واسمه نيمون الثاني، وكذلك كاهن كلداني

3

اسمه بيروز

Berose ، دونه على هيئة سير أسطورية قد لا تبعد بنا كثيرا عن سيرتنا هذه؛ حيث يكثر الإفراط في نظم الأشعار الملحمية والمعلقات التي غالبا ما تدور حول الإغارات والحروب القبائلية، وهذا ما أفضى إلى ظهور ملاحم البطولة والمعلقات في العصور الجاهلية، ومن هنا دلفت هذه الملاحم وسير الأنساب العائلية والمعلقات إلى معظم المؤرخات التاريخية الأولى.

بل وعلى هذا النحو ذاته تعرف المؤرخون على تاريخ منطقتنا؛ من ذلك قائمة جمعها أيضا كاتب مجهول في سنة 2000 قبل الميلاد، بادئا تاريخه هذا بقصة الخليفة وأسماء الأسر الملكية، ثم الطوفان وأسماء الملوك الذين أسماهم

4

بملوك العرب، والذين حكموا العراق الأسفل (بابل فيما بعد).

وكما يذكر جوردون تشايلد؛ فقد اعتبرت الأشعار الهومرية ذاتها فصولا تاريخية برغم إغراقها في الخوارق وعوالم الآلهة، واتخذها الكتاب المتأخرون نموذجا لهم؛ «إذ اعتقدوا أن التاريخ رواية مترابطة تتم داخل إطار فني.»

بل وعلى هذا النحو أيضا نهج تاريخ «توكتيدس» أعظم مؤرخي الرومان للحروب البلوبونزية بين أثينا وإسبرطة عام 431ق.م.

وعلى هذا فالبحث في إطار سيرتنا الملحمية هذه - الزير سالم - حول كلا الملامح التاريخية والتراثية ليس بالأمر الجديد، كذلك لا جديد في استخلاص حقائق التاريخ من ثنايا هذا التاريخ الأسطوري الخرافي المهمل إلى حد الاندثار من جانب الباحثين العرب، إلى حد الاندثار.

بل الجديد الطريف هو أن تظل سيرة عالية الهامة - كالزير سالم - مهدرة تعاني الافتقاد والاندثار إلى أيامنا، مضافا إليه عدم الفهم والتقدير لدرة قد تصمد لأي سيرة أو ملحمة في كل ما جاء به العالم القديم، بدءا من السيرة الهرمونية - الإلياذة - ومرورا بالملحمة الهندية الآرية الماهابهاراتا، التي تسمى بها الهنود والفرس الآريون، والتي تتلاقى مع ملحمتنا هذه - الزير سالم - في أن كلا منهما تؤرخ لحروب وهجرات قبائلية موغلة في القدم.

كما أن ملحمتنا العربية هذه تتفوق كثيرا على الملحمة الإسكندنافية الفنلندية - كاليفالا - التي عندما احتفلت فنلندا عام 1935م على مرور قرون على أول جمع لنصوصها الشفهية الفولكلورية؛ اكتشف أن ما جمع منها وصل إلى 130 ألف نص مختلف لذات الملحمة الكاليفالا، ناهيك عن الآلاف المؤلفة من الدراسات والمعارك المنهجية التي شاركت فيها جيوش من العلماء والباحثين الذين تعاقبوا على دراستها على مدى القرنين الأخيرين.

ونفس الشيء بالنسبة للقصص الشعرية - البالاد - الروسية الموطن، المعروفة بالبلينات، بدءا من أقدمها «بلينا كييف»

Byline

وهي أشلاء سير وملاحم وحكايات الشعوب والكيانات السوفيتية اليوم، تلك التي كانت تنشدها المداحات الروسيات، ويتضح فيها مدى المؤثرات الشرقية - خاصة السامية العربية الإسلامية، والآرية الهندية الفارسية - بالإضافة - طبعا - للمؤثرات التركية والمغولية، شارك في جمع ودراسة هذه المدائح أو البيلينات أجيال من الباحثين الفولكلوريين؛ منهم: ستاسوف

Stasov

بسلاييف، ميللر، شفنر، بيسونوف، فسيلوفسكي، سوكولو، زدانوف، والعشرات غيرهم.

فيذكر رائد المدرسة التاريخية الروسية - ف. ميللر - في «الخطوط العامة للأدب الشعبي الروسي» أن البحث العلمي المعاصر في ملاحم البيلينا لم يرض بعد جميع متطلبات العلم؛ إذ تختفي أسس اتصال الملاحم نتيجة الحجاب الكثيف الذي صنعته القرون الطويلة؛ ذلك رغم ما أنجز بالنسبة لعشرات المناهج والتفسيرات؛ من تاريخية وميثولوجية وتاريخية جغرافية وشرقية وأوروبية سلافية تعود بأصول هذه البيلينات إلى ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى ما أحرز من تقويمات وقواميس موسوعية حول هذه الملاحم - القاسم المشترك للشعوب والكيانات السوفيتية - اليوم.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٣