تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى إذا ما حان موعد لقاء الملك سيف بزوجته شامة هبت لاستقباله وهي مهيضة الجناح طريحة الفراش. - شامة حبي ... لم تعد هناك أحزان؛ سننعم بالسلم معا.

بادرته ملقية بخدها الأحمر على كف يده كمثل حمامة وديعة. - دمر ... ولدي ... أين؟

أطرق الملك سيف مجيبا: قطعت الشام بأسرها يا شامة بحثا عنه قبل وصولي إليك. - ماذا؟ - لا أحد يعلم.

امتقع وجه شامة، مبتلعة صمتها ذاته وتوارت بأفكارها بسرعة عن الملك العائد، نهبا لهواجسها.

وبعد برهة من الزمن قضتها شامة بصحبة الملك، تملصت رافضة مقابلة الزوجة الجديدة. - مهردكار! - ما أنا سوى مريضة ... تهذي يا سيف.

ثم قفلت شامة عائدة إلى بلادها - أفراح - واكتف بمراسلة الملك سيف عن بعد.

أما مهردكار فقد واصلت التقرب من الملك سيف، بعد أن خلا لها الجو «لتبيض وتفرخ وحدها»، وكان الملك يعمل جاهدا على تكريمها؛ فهي الآن وحيدة، وأكثر عزلة، وهو الذي أكبر فيها مدى ترحيبها بمصاحبته إلى أرض مصر، فقدمها على الجميع واصطحبها في حفلاته واستقبالاته، بل في زياراته لجبله المفضل الذي سمي باسمه - الجيوشي - فهو: أبو الجيوش.

وعانت مهردكار طويلا من إقدامها على مهمتها التي كان قد ألقاها على كاهلها والدها الملك بهرام. - إما أن تسمميه، وإما أن أجعلك أنت تتجرعين السم يا مهردكار أينما كنت، بعد ثمانية أشهر بتمامها منذ اليوم.

حتى إذا ما حل الأسبوع الأخير المحدد لمهمتها الدامية، وحاولت مهردكار تجرع سمومها، انفتح باب مخدعها على مصراعيه ودخل الملك سيف.

بادرته من فورها محتضنة: الليلة موعد مشوارنا البحري في ليل النيل الهادئ.

أشارت بذراعها كله إلى حيث يتلوى النهر العميق الأسرار تحت شرفاتها. - تأمل. - حقا يا مهردكار، هلمي بنا دون تفكير، هيا ... لنهرب معا ساعة من الزمن.

حتى إذا ما احتوتهما مقصورتهما داخل «ذهبية» الملك سيف، التي انزلقت على صفحة النيل الملساء وعبر أدغاله وزهوره البرية العطرة الحانية، أشارت مهردكار إلى دغل محدد قريب، وأومأ لها كبير ربابنة سفينة الملك إلى حيث المرسى المتفق عليه قائلا: يا للهدوء، العشاء جاهز.

وحين أبدى الملك عدم رغبته في تناول شيء من عشائه وهو يفيق من إغفاءة واهنة داعبت أجفانه. - ليس بي رغبة للطعام الليلة. - فقط تلك الكعكة التي تحبها، أعددتها لك بنفسي.

ضاحكته مقاربة وهي تفرد كفي يديها في براءة ملقية بشيء ثقيل في الماء من جانب السفينة لم يتبينه الملك سيف. - بكلتا يدي هاتين.

ابتسم الملك سيف في وهن وهي تقدم له طبق الحلوى «المسمومة» آكلا من يدها مستريحا كمن يقاوم نعاسا يسبقه خدر النوم. - استرح يا مليكي الجميل.

حتى إذا ما استسلم الملك سيف لخدر نعاسه بين يدي مهردكار، انسلت في نعومة طاغية هاربة عبر باب جانبي في غفلة عن البحارة الثلاثة، واختفت دون أثر في ظلام ذلك الدغل «الكمين»، إلى أن حاوطتها شلة من فرسانها الفرس التابعين لها، الذين كمنوا بانتظار تلك اللحظة التي اهتز لها العالمان. - مات الملك سيف بن ذي يزن، يا للخيانة! •••

روعت ديار مصر على خبر غدر «تلك الجارية الفارسية» بملكهم المحبوب سيف بن ذي يزن، وكثرت الأقاويل والآراء والشائعات التي سرت من فم إلى فم على طوال البلاد وعرضها. - تلك الفارسية القاتلة. - أيصل الغدر إلى هذا الحد، وبعد كل ما قدمه الملك سيف لتلك الحية الرقطاء؟

وذهب البعض إلى أن ما حدث للملك سيف الليلة أمر قديم التدبير، منذ قبول الفرس وعلى رأسهم والدها للهدنة الأخيرة.

كما ذهب البعض الآخر إلى أنها مجرد مكيدة نسائية، برغم هرب الفارسية القاتلة ووصولها إلى حراسها الكامنين بالأدغال القريبة لشط النيل، الذي شهد أبعاد وخبايا تلك المأساة التي قضى فيها أقرب أقربائه - أي النيل - سيف بن ذي يزن.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٩٣