تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا له من حلم كثيرا ما استغرقها مع سيف أياما وليالي، وهما يحلمان معا بأن يتخذ يوما من أرض مصر العدية موطنا وموطئا لحكم بقية الأمصار، يا له من حلم ساخر!

انتبهت شامة فجأة مستطلعة. - ها هي أشرعة سفن الملك التبع سيف بن ذي يزن، تشق فضاء النيل.

وكان تقدم أسطول الملك يثير رهبة محبيه تسري عدواها في كيان شامة كله كلما اقترب موكب الملك النهري أكثر فأكثر.

كان التبع قد أقبل في موكبه النيلي لاستقبال حبه ومطلع صباه. - شامة ... حبي ... هنا في ربوع مصر.

عانقها طويلا وهو يغفو مستريحا على كتفها كمثل مخلوق بشري يعاني إرهاقا يؤججه الجلد ثقيل الأعباء. - اشتقت إليك طويلا طويلا يا شامة.

أشار إليها بذراعه محتضنا مسرا. - ها هي مصر العدية تهفو لاستقبالك.

ها هي حلمنا القديم معا.

تطلعت منبهرة من ضخامة المباني والمنشآت المحيطة بالنيل، الذي تحف به الزهور البرية النضرة، وسط ذلك الإشراق الكبير الذي يطبع قطاعات الحياة في موطن الأسلاف الفراعنة. - أطال الله بقاءك وأمجادك؛ فأنت زوجي وأبي بعد الأمير الميمون.

وحين رست سفينتها على مربض أحد القصور المشرفة المتعالية البنيان والروعة، أنزلها الملك سيف آخذا بيدها على مشهد من أمراء مصر وشيوخها وكبرائها، الذين قدموا من كل صوب لاستقبال الملكة محملين بالزهور وسنابل القمح وثمين الهدايا والفنون الباهرة التي اشتهرت وعرفت بها مصر في العالمين.

خاطبها الملك سيف قائلا مرحبا: أهلا بك في بلدك وقصرك يا شامة.

حتى إذا ما انتهت مراسيم واحتفالات الاستقبال والتعارف التي أقيمت لها، تذكرت من فورها خطتها التي جاءت بها، والتي لازمتها كحلم عذب طوال الفترة السابقة، وهو أن تستفرد بالملك سيف عبر رحلة إلى بلاد الشام لزيارة ابنهما، فعاجلته: ألم يتملكك الحنين لرؤية ولدنا دمر بعد طوال غياب؟

هنا زفر الملك، وكأنه يتخفف من أعبائه: أجل يا شامة، قريبا سنشد الرجال معا إلى بانياس لنعرج بعدها معا إلى زيارة «البيت الحرام» ويثرب.

ضاحكها وهما يتحدثان متسامرين في آخر الليل. - أقصد صفي أبي العجوز، يثرب.

وبالفعل عجل الملك سيف بإنهاء واجباته بمصر، وأهمها بالطبع مواصلة تدريباته لجيشه بجبله، الذي يحمل اسمه إلى اليوم، «الجيوشي»، وكان قد ترامت إليه الأخبار عن الحملة الانتقامية التي يقوم الفرس بإعدادها لغزو مصر من جديد.

لذا آثر الملك سيف إجراء مراسيم زيارته لسورية العليا وبانياس سرا ودون أن تصل تفاصيلها إلى أقرب مقربيه.

إلا أن خطته لم يقدر لها النجاح هذه المرة، فما إن انتهت على عجل زيارته مع شامة، لبكريهما دمر، وعرجا إلى مكة المكرمة ويثرب، حتى نزلت عليه الأخبار نزول الصواعق. - ملك الفرس ينزل على الأهرام بجيشه الجرار في غيبة عن التبع سيف بن ذي يزن.

وهكذا أسرع الملك سيف عائدا إلى عاصمته، إلا أنه وقع في أسر أحد أمراء الفرس واسمه «بلامه»، ولقبه «الهدهاد».

هنا حلت الكوارث الثقيلة من جديد على ديار مصر والشام معا.

إلا أن بصيص الأمل جاء هذه المرة من جانب «شامة» التي استطاعت الإفلات من كمين «بلامة الفارسي» وخلعت من فورها لباس الملكة الأم، مرتدية عدة حربها، مجمعة مع ابنها دمر نواة جيش استقدمت معظمه من بلادها ومن جيش دمر السوري، ونجحت في اقتحام مخبأ الملك سيف وفك أسره، وهو على شفا الصلب المحقق على أيدي الفرس، فقتل الملك سيف بلامه الفارسي، وواصل تجميع جيشه من اليمن ويثرب وأفريقيا متخذا طريقه إلى مصر لفرض الحصار على الفرس الغزاة عابرا النيل، مواصلا تقدمه إلى أن واجههم موقعا الذعر في صفوفهم حتى واحة سيوة وبرزخ السويس.

وكان الإرهاق الواضح القسمات قد استبد بجسد الملك سيف، عشية تنفسه الصعداء بعد الانتهاء من مطاردة آخر فلول الفرس عن مصر؛ نتيجة لما عاناه حين وقوعه في أسرهم الغادر ولضراوة المعارك التي خاضها ضدهم على طول مصر الوسطى والدلتا، رغم عدم التكافؤ بين نواة جيشه الذي جمعه على عجل، وبين جيشه الحقيقي بجبل الجيوشي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٨٧