ومن فوره أرسل برسله ليخبر زوجته ورفيقة صباه «شامة» بالنبأ الفادح، خاصة وهو يعرف مدى تعلقها وتبجيلها لذلك القائد الأفريقي نصير العرب. - الميمون، الطيب الذكر.
الفصل الثامن والعشرون
| الرحيل إلى مصر العدية
جاء موت القائد الأفريقي «الميمون» القريب من الملك سيف فاجعا له عقب زيارته لليمن والجنوب العربي؛ لإخماد لهيب الفتنة التي نشرها الفرس في ربوع جزيرة العرب مطالبين بتخلي التبع عن مصر، والعودة لعاصمته موطن التباعنة في اليمن، بما ييسر لهم - أي الفرس المجوس - إعادة اجتياحها.
وكان أول ما تبادر إلى ذهن الملك سيف هو زوجته ورفيقة صباه وكفاحه «شامة» ومدى فداحة وثقل الخبر عليها حين تصلها مكاتيبه ورسله، وهي التي كانت قد اتخذت من الميمون أبا وكبيرا لقادة جيشها، عقب افتقادها لوالدها الذي صلبه «سيف أرعد» معلقا على أشجار إثيوبيا لتنهشه جوارح الطير، وهو ما تحقق بالنسبة إلى شامة حين وصلها النبأ، فشقت ثيابها حسرة، واتشحت بأردية الحزن السوداء، وتقبلت العزاء في أميرها «الميمون» بقصرها، وهي تعد العدة للسفر إلى ديار مصر العدية، بعدما غلبها التشوق الجارف لرؤية الملك سيف والسؤال عن ابنهما البكر «دمر» وعزاء ورعاية أسرة «الميمون».
حتى إذا ما حان صباح يوم الرحيل إلى مصر حسب رغبة الملك التبع سيف، أرسل من فوره بسفينته البحرية الملأى بأخلص حرسه إلى أقرب مواني بلاد الحبشة لتقلع منها بشامة إلى مصر العليا.
حتى إذا ما وصلت شامة بركبها - البري - من بلدها إلى ذلك الميناء الحبشي وجدت في استقبالها «مقلقل» الأصغر ملك الأحباش الجديد الذي عينه الملك سيف اليزن عقب دخوله إثيوبيا؛ ليخلف والده سيف أرعد الذي سبق أن قطع سيف بن ذي يزن عنقه بيمينه.
واستقبل شامة، وهو يجيئها جاثيا محملا بثمين هدايا «عرش يهوذا» من ذهب وجواهر ومال لها ولزوجها. - ملكنا الحكيم الملك التبع، أبو الأمصار.
وتقبلت شامة هدايا ملك الحبشة - مقلقل الأصغر - شاردة مفكرة مسترجعة في رأسها ومخيلتها أحداث تلك الرحلة السابقة الخطرة الطويلة، بين بلادها - الموالية للعرب - وبين الحبشة وملكها السابق - سيف أرعد - وكيف شاركت هي في ذبح ابنه - مع سيف - داخل قلعة الجبل ليلة الاحتفال بعروس النيل التي كان مقدرا فيها ليلتها الاعتداء عليها وإغراقها في مياه النيل حية لحيتانه البحرية وتماسيحه وأفراس مائه.
تذكرت شامة كل ذلك طيلة رحلتها النيلية وهي شاردة ساهمة تتطلع عبر كوة سفينتها، وهي تشهد وتنصت لطرقات مجاديف النوتية، تضرب صفحة الماء الرصاصي اللون المطعمة بسياط فضية مبعثها ضوء القمر النصف المكتمل، منغمة على أصواتهم وغنائهم الشجي الجماعي المشبع بالأحزان.
تذكرت أحداث ومتعرجات رحلتها مع سيف بن ذي يزن، منذ أن تعودت على الاجتماع به مع مطلع شمس كل صباح ب «الكتاب الملكي» يتيما وحيدا مطاردا، يعيش حياته حذرا متوقدا يقظا لكل شاردة وواردة قد ترد من جانب الأحباش المتملكين لهذه البلاد.
فيا له من خطر محدق لا مهرب من أظافره المشهرة أن تتربى وتنمو ويشتد ساعدك على أرض الأعداء. - وعيونهم الراصدة ورماحهم المشهرة.
على حد تعبير سيف الذي كان شبلا أيامها، وهكذا تذكرت شامة وهي تغادر حدود وأطلال بلاد الحبشة التي دخلتها منذ فترة حاكمة، كزوجة لسيف بن ذي يزن وأم بكره. - دمر.
حاكم سوريا العليا - أو بلاد أشوريا - من قبل الملك سيف الذي غلبها الحنين لرؤيتهما معا كما في السابق؛ حيث كانت تطغى ضحكاتهما معا الصافية المبددة لمعاناة رحلة حبهما وكفاحهما، وكذا المصائد التي وقعا فيها معا، منذ آثرا الكفاح لتخليص بلادهما من عبودية سيف أرعد. - مبتكر حروب العطش والمجاعة. - كانت أيام!
زفرت شامة وهي تشرف - بذهبيتها - المحاطة بزوارق ومركبات الجند، على أهرامات مصر، وهي تسد الأفق. - أرض مصر.