وكما لو أن سيف بن ذي يزن، قد وقع على بغيته حين انشغل بتصفح صفحات الكتاب في حرص، مستغرقا في تأمل رسوماته التوضيحية ومدوناته وخرائطه الملونة. - استغرق عمره بكامله فيه. - أعرف يا أماه ... أبي!
وهكذا استحوذت كتابات ومدونات التبع الراحل على ابنه: بعد تسلم سلطاته فانكب بكامله، وقبل كل شيء، على قراءتها وحل رموز وطلاسم - كتاب النيل - الذي يعرف أعداء العرب قبل غيرهم أن من يمتلكه يتحكم في النيل بكامله ومجراه وإخصابه ومجاعاته.
حتى إذا ما حاول سيف بن ذي يزن إجراء تطبيقاته، ولو من باب إرهاب الأحباش الأعداء، منعته أمه متغاضية عما انتهت إليه الأحداث باعتزالها لسلطاتها، وبعدما ارتضى الجميع وأولهم هي - قمرية - ذلك وهو ما انتهى بتنصيب التبع الجديد.
وعمق من أغوار الصراع الخفي بين الملكة المتنازلة عن العرش وابنها ما تلقاه الملك التبع سيف بن ذي يزن من رسائل بعث بها إليه وزير والده الأول المقرب «يثرب» حين أرسل له مهنئا وشاكيا من عدم قدرته على المجيء من يثرب إلى أحمرا لحضور مراسيم تنصيبه التي كان ينتظر يومها المنشود، تخوفا من أمه قمرية التي تسببت في رحيله إلى مدينته يثرب - أي المدينة المنورة فيما بعد - منشدا له أجزاء من معلقته الشهرية:
فمن يثرب قد صرنا بعد عمرها
إلى بعلبك ابن عمي بها عبرا
وسرنا إلى أرض الحبوش بجيشنا
نزلنا بواد عمه الماء والزهر
مليكنا ذو اليزن عمر أحمرا
حصنها بالأسوار وأجرى الأنهرا
أبراجها من حولها وقلاعها
بها شيدت والناس من حولها زمرا
ولم يشأ سيف أن يستوضح من أمه عن جذور خلافها مع وزير والده، وموضع سره يثرب تحرجا من جرح مشاعرها، كما أنه لم يشأ أن يستأثر بقرار مصيري، يتصل بالحرب والسلم ومهادنة سيف أرعد لا ترضى عنه والدته قمرية، مهما عز عليه. - فهي أمي، من حبلت بي.
ذلك على الرغم من تيقنه الدفين من خطورة قراراته في هذا الشأن، خاصة وأن الأخبار التي يرصدها عياروه وبصاصوه، تجيئه بالكثير حول الحشود التي يسعى إليها الملك سيف أرعد في الخفاء، والمبيتة كلها ضده وضد عاصمة التباعنة، مستخدما في ذلك كل النعرات العنصرية ضد العرب الساميين «ذوي البشرة البيضاء» وأطماعهم في أفريقيا الزنجية.
ودعم من صدق وتحقق هذه المعلومات المتسمة بكل خطر، ما بعثت إليه به مؤكدة حبيبته وزوجته «شامة» ملكة أفراح.
حتى إذا ما تراكمت مكاتباتها ومراسلاتها له من خطية وشفهية، حول جنون سيف أرعد وتحالفاته الخفية التي اتسع مداها حتى شملت وغطت غرب أفريقيا وجنوبها، بدأ سيف التفكير في معارك الحرب.
وهكذا وجد سيف بن ذي يزن نفسه محاصرا غير قادر على الحركة برغم تملكه لسلطاته كتبع لحمير وعرش اليمن، وهو الذي لم يعتد من قبل على حياة القصور الوادعة الرخوة، كمثل دمية في يد أمه قمرية التي استأثرت بقرار الحرب والسلم، مؤثرة احترام صكوك الهدنة مع الأحباش. - وأين هي الهدنة مع سيف أرعد وأطماعه التي لا يحدها حد.
إلى أن تواترت الأخبار، حول عبث الأحباش، السري من جديد في النيل ومقاييسه، وخاصة ضد مصر وأفراح وأعالي السودان.
بل وضاعف من خطورة الأمر، استقدام سيف لبعض حامياته في بلاد النوبة والمغرب الكبير. - لماذا!
وهو السؤال الذي طرحه على والدته قمرية مرارا دون أن تتزحزح ولو قيد أنملة عن قرارها مؤثرة السلم على الحروب وأهوالها.
إلى أن روع الملك سيف بن ذي يزن، برسل زوجته شامة المحملين بتجدد الحرب بين الأحباش ومملكة أفراح، وتلك الحشود الهائلة التي اجتاحت البلاد باتجاه العاصمة، وتصميم سيف أرعد على التخلص أولا، وكما يقول ويذكر مستخفا: «التبلغ أولا ببلاد شامة أي أفراح»، وهو يعلم أنها زوجته.
هنا نفد صبر الملك التبع سيف بن ذي يزن، مقررا كسر قرار والدته - قمرية - والخروج من جديد لملاقاة الأحباش، حتى إذا ما أعادت والدته معارضتها احتدام الخلاف بينهما، وانتهى بانقسام الجيش العربي، وخروجه وحده بفيالقه غير المتكافئة مع جيش الحبشة، لفك حصار أفراح والإفراج عن حبيبته وزوجته شامة التي لم تقدر له الأحداث المتوالية معاشرتها كبقية خلق الله، إلى أن وقعت في أسر سيف أرعد. - شامة ... حبي!