وبهر جنود أحمرا بدورهم مما يشهدونه غير مصدقين: إنهم يشهدون الآن وعبر أجيج المعارك المستعرة الضارية التي امتدت شهورا، تبعهم المنتظر. - سيف بن ذي يزن تحت أعلام التباعنة.
كان الفرسان يدورون بخيولهم من حوله - أي سيف - خالعين عنهم شارات التمويه والتستر بالأزياء الحبشية، رافعين رايات وبيارق التباعنة، وقد علت أناشيدهم المدوية احتفالا بالانتصار، في مشهد مثير صاخب بعث في جسد قمرية الذي أوهنته المعارك رعدة لم تكن تعرفها من قبل، في كل ما سبق لها أن واجهته وتصدت له، عبر حياتها الجسورة التي عاشتها. - ولدي العائد سيف. - تبع حمير العائد.
مضت قمرية تشهد عن بعد ما يحدث، من توافد فيالق وكتائب ابنها سيف بن ذي يزن، من كل جهة وصوب، نازعة عنها هي الأخرى شارات تنكرها تحت أزياء الأحباش وحلفائهم، ليحكموا خطة الكماشة المطبقة - من الخلف والأمام - على ملك الأحباش، منذ حط بجنوده داخل أحمرا ذاتها، فكان أن عجلوا بالنصر، غمغمت قمرية لنفسها: بل هم اقتنصوه.
حطت ببصرها عليه وهو يدور وسط حلقات فيالقه وكتائبه وجنوده، مشاركا في أغاني انتصاراتهم، مجللا من كل جانب بأعلام التباعنة وبيارقهم، إلى أن عم خبر عودة التبع العائد الذي فك حصار مملكة أحمرا، وأوقع بالأحباش الهزيمة، فتوافدت الجموع من كل جانب غير مصدقة، وتزايدت أغاني النصر وأفراحه متفجرة في كل مكان.
مما دفع بسيف إلى الاندفاع باتجاه أمه مطالبا إياها بالخروج لتحية جنوده وفرسانه والجميع، والمشاركة في احتفالات النصر في هذا اليوم الكبير معاودا إصدار تعليماته هنا وهناك، لمواصلة تصفية آخر قلاع وجيوب الأحباش، بل ومطاردتهم باتجاه الجنوب تمهيدا لأن يلحق بهم - أي بجنوده - قبل مطلع صباح اليوم التالي.
وانتهى سيف بن ذي يزن من متابعة مطاردة جيش سيف أرعد إلى داخل تخوم وحدود بلاده ذاتها، عبر معارك استخدم فيها الجانبان أقصى طاقات المقاومة، خاصة من جانب الأحباش الذين أفجعهم خداع سيف بن ذي يزن لهم بتنكره، وادعائه محالفتهم على ذلك النحو الصارم.
أما فاجعة ملك الأحباش سيف أرعد ووزيره سقرديون اللذين وصل بهما الغضب والحقد على التبع اليمني الجديد وغدره المتواصل بهما، إلى حد دفع بهما إلى خوض المهالك دون رحمة أو مهادنة في محاولات للإيقاع به أينما كان، وقبل استشراء خطره أكثر فأكثر عقب عودته عيانا جهارا لمنازلة الحبشة، وتحالفه مع أمه قمرية. - ستصبح الأذية أذيتين على رءوس الأحباش وكل الأفريقيين.
وهو ما تحقق بوصول إمدادات قمرية لمساندة ابنها في نقل المعارك إلى داخل بلاد الحبشة بدلا من أحمرا.
مما اضطر سيف أرعد إلى الإسراع مطالبا بالهدنة ووقف القتال، الذي رفضه بحدة سيف بن ذي يزن، بينما تقبلته ملكة أحمرا، مما أوعز الخلاف بينهما أو بين قراريهما المتضاربين.
وهذا ما سمح لسقرديون بتعميق ذلك الخلاف بين - الأم وابنها - إلى حد تزايد القطيعة التي جمدت مسار الحرب المستعرة وأوهنت من روح سيف المقاومة، ثم تقبله في النهاية لقرار والدته بوقف الحرب، والعودة إلى أحمرا.
حتى إذا ما عاد سيف بن ذي يزن إلى عاصمة التباعنة التي فتحت ذراعيها عن آخرهما لاستقباله بعد نفي وغياب طويل كانت قمرية قد اتخذت سلفا قرارها الذي عانت منه طويلا وحدها، في تنفيذ وصية الوالد الراحل «ذو اليزن» بتسليمه سلطاته ليعتلي عرش التباعنة.
وتم الاحتفال بتنصيبه، بما يليق من تكريم، حين تخلت قمرية عن عرش ذو اليزن الباهر، نازلة درجاته على مشهد من أمراء حمير ووزرائها، وشيوخ القبائل والعشائر والجموع التي جاءت لتشهد اعتلاء سيف بن ذي يزن لعرش أجداده المتوارث منذ سبأ وحضرموت.
وجثى هو على ركبتيه أمامها وهي تضع تاج ذو اليزن على رأسه مقبلة. - لعل التبع الراحل شهد تلك اللحظة من مثواه، وفي اليوم التالي لتنصيبه اقتادته أمه إلى حيث كنوز ذو اليزن وعدة حربه ومخطوطاته ودراساته عن «كتاب النيل»: سأحفظه في قلبي، كما تحفظ حدقتي عيني.