تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم انسحب التبع الملك ووزيره يثرب وبقية المدعوين من أمرائه وقادة جيشه وحاشيته، بعدما اتفقا على المنازلة في اليوم التالي على مشارف تلال بعلبك.

وفي اليوم المحدد مع مطلع النهار، اجتمعت جموع عظيمة لا يحدها بصر من الجانبين مبكرين لمشاهدة النزال بين ذو اليزن وملك بعلبك.

وحين تواجها صالا وجالا في الميدان طويلا، بين «صد ورد وطراد ومهارشة»، حتى انبهر كل من شاهدهما.

وظلا هكذا إلى أن غربت الشمس دون غالب ومغلوب، فتصافحا وافترقا على اللقاء في اليوم التالي وجرت المبارزة بعدما داخلها خبرة كل منهم بخصمه، وظلا يتلاقيان ويتباعدان، ويكمنان ويفران طيلة اليوم إلى أن حطت الظلمة أعالي جبال بعلبك وروابيها، وافترقا على لقاء جديد.

وامتدت المنازلة بينهما سبعة أيام.

وفي اليوم الثامن كان ذو اليزن قد داخله الوهن والتعب، إلا أنه تمكن من ملك بعلبك الهائل الجثة فأرداه قتيلا، وأشرف بنفسه على دفنه في مهابة وتكريم.

وبعدها قرر الملك ذو اليزن بمشورة وزيره المقرب يثرب الرحيل عن تلك البلاد، بعدما أخذ عشرين حملا من مال ملك بعلبك وجواهره وذهبه الإبريزي وفضته الفينيقية.

وارتحل ذو اليزن بجيشه طالبا أرض الحبشة وبلاد السودان، إلى أن نزلوا واديا ذا أشجار.

| الجزء الثاني

| مقدمة الجزء الثاني

| آخر التباعنة: الملك سيف بن ذي يزن

توقفت بنا أحداث السيرة المندثرة للملوك التباعنة عند رحيل الملك التبع ذو اليزن، إلى أفريقيا بحثا عن كتاب - أو منابع - النيل، وإقدامه على بناء مدينته التي شق أنهارها وشيد قلاعها وبنى أسوارها وسماها، أحمرا أو «الحمراء».

لحين نشوب ذلك الصراع بينه وبين ملك الأحباش «سيف أرعد» الذي أفزعه، إلى حد الجنون، نزول الملك ذو اليزن بجيشه العربي بالقرب من بلاد الحبشة، وتهديد سطوتها ويدها الطولى المهيمنة على منابع النيل، وعلى معظم الأقوام والكيانات والقبائل الأفريقية، سواء في شرق أفريقيا المتضمن للقرن الأفريقي، أو شمالها في السودان وبلاد النوبة وصعيد مصر والمغرب.

فكيف لملك الحبشة «أرعد» أن يهدأ بالا، وهو يشهد تعالي سطوة العرب وتبعهم ذو اليزن وازدهار مدينتهم الجديدة التي تضاءلت بجانبها عاصمته إثيوبيا، كما ورد في معلقات الوزير الحكيم «يثرب».

ومن يثرب قد سرنا بعد عمارها

إلى بعلبك ابن عمي بها كبرا

وسرنا إلى أرض الحبوش بجيشنا

نزلنا بواد عمه الماء والزهرا

مليكنا ذو اليزن عمر أحمرا

حصنها بالأسوار وأجرى الأنهرا

فما كان من سيف أرعد سوى اللجوء إلى الحيلة والمكائد للتخلص من الملك التبع ذو اليزن الذي عمت شهرته آفاق أفريقيا، فأرسل بأخلص وأجمل وأذكى جواريه «قمرية» محملة بسمها الزعاف لتقضي عليه.

إلا أن الجارية التي بهرت من روعة وحضور وفروسية الملك ذو اليزن، سرعان ما وقعت في حبه منذ أول لقاء، فأفضت إليه بخطتها باكية عند قدميه.

وهنا توطدت الصداقة بين الملك التبع الزاهد المنقطع لأبحاثه العلمية لإنشاء المشروعات المائية من سدود وخزانات هدفها الاخضرار وخير الناس، وبين الجارية الباهرة الجمال والذكاء التي جاءته لتقتله.

وكان المرض المفاجئ قد بدأ يغزو جسد الملك الكهل، دون أن يخلف وريثا لحكم التباعنة من بعده، فقرر الزواج من قمرية، ليخلف منها، وقبل فوات الأوان، وريثا لحمير، هو: «هيكل، وندعوه سيف»؛ مولد آخر التباعنة.

وفي أعماق القارة السوداء ولد «هيكل» أو سيف بن ذي يزن يتيما بعدما فارق والده الملك ذو اليزن الحياة، مفضيا لزوجته قمرية بوصيته التي موجزها أن تعتلي هي عرش التباعنة لحين اشتداد ساعد ولده الوحيد سيف (أو هيكل) لتسلم سلطاته. - ليحكم بالعدل بين الأقوام والقبائل.

وكذلك أوصى له الملك الوالد، بمخطوطاته ومدوناته وأبحاثه حول: كتاب النيل.

إلا أن مولد سيف صاحبه الكثير من المخاطر الهائلة التي أضرم لهيبها ملك الأحباش المتجبر سيف أرعد، ووزيره المعادي للعرب الساميين «سقرديون»، فما كان من الأم قمرية، إلا أن ربته في الخفاء بأحراش وغابات أحد البلدان الموالية سرا للعرب (من المرجح أن يكون السودان أو الصومال) وتدعى مملكة «أفراح».

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٤٤