وما إن استرد ملك بعلبك عافيته حتى عاوده صفاء ذهنه، فطالب ناصحيه بالتروي والعمل في صمت وضبط النفس إلى حين عودة عيونه وبصاصيه المنبثين بين جموع اليمنيين ومضاربهم في آخر الليل ومعرفة حقيقة ما يحدث. - ما الخبر؟
وفي آخر الليل كان قد تجمع لديه كل ما طلبه من أخبار، إلا أنه لم يجد فيها أبدا مبتغاه، وهو ما ينبئ عن اقتراب رحيل التبع ذو اليزن عن البقاع، بل وعن لبنان والشام بأكمله، صرخ الملك من جديد وقد اعترته النوبة: ألم يطب لأولئك البدو الغزاة الإقامة والمقام في بلاد الله الواسعة، سوى هنا وعلى عتبات بواباتنا؟
استدار ضاربا كفا بكف: أتكتم أنفاسنا ليل نهار على هذا النحو؟
كان ملك بعلبك قد أصدر أوامره لعماله وحكامه بالصمت، منذ نزول التبع وجيشه فلم يعد يسمع في كل جنبات المدينة لهوها وصخبها وما اشتهرت به من أفراح ودبكات ورقص وغناء حتى مطلع كل فجر.
لذا بدت المدينة في الأيام الأخيرة صامتة مترقبة، يشيع في جنباتها التوجس المطبق ولا شيء غيره. - إلى متى؟
تساءل الملك متفرسا في وجوه المحيطين منه من وزراء ومستشارين وقواد: إنه الحبس، الأسر بعينه، ما أصبحنا وأمسينا فيه داخل أسوارنا.
مرة أخرى عاوده هدوءه وتماسكه معاودا التساؤل: أما من حيلة؟ - حفلة على شرف التبع.
تفوه الملك مفكرا: مسمومة!
وأخذا بمقولة خير البر عاجله اندفع الملك من فوره معدا كل شيء بدقة وحذر شديدين.
حتى إذا ما أشرف بنفسه على دقائق خدعته الجديدة، توجه من فوره إلى حيث يربض حرسه عاقدا عزمه على المسير إلى مضارب التبع ذو اليزن لدعوته للحفل، ودعوة وزرائه وكل قواده وأمرائه وحتى كبار جنده لحفلة العمر التي ستشهدها سهول بعلبك تلك الليلة. - ليفرح الجميع، وتتوثق عرى الصداقة والمحبة، الليلة!
وسريعا ما استحال ليل روابي ومنحدرات وقصور وبساتين بعلبك، إلى نهار جلي وواضح، بعدما انتشرت محارق نيران الشواء والطهي وأضيئت الفوانيس والمشاعل والشمعدانات ذات الأفرع الثمانية، وعمت البهجة الجموع وانتشرت حلقات الرقص الجماعي العملاقة (الدبكة) وعلت الموسيقى وصاحت المغنيات، ومدت السماطات والأبسطة والموائد الخشبية والنحاسية والمرمرية.
وتوقف ملك بعلبك يشهد بنفسه من كوة أعلى أبراج قلاعه، غبار موكب الملك التبع في جبروته محاطا بهوادجه وكواكب فرسانه، وفي إثره موكب وزيره، العاقل الحكيم يثرب.
وهنا تدافعت دقات قلبه مما سيحدث هذه الليلة الليلاء، التي قرر أن يضع فيها حدا لهواجسه ومخاوفه.
حتى إذا ما قارب موكب الملك التبع ذو اليزن مشارف الحصون الأمامية للمدينة نزل ملك بعلبك مسرعا متبوعا بحاشيته ومقربيه، وقد نشر الزينات والأعلام اليمانية شمالا وجنوبا مرحبا بالتبع ذو اليزن. - شرفت ديارك.
واصطحبه من فوره إلى حيث اعتلى معه عرشه الهائل وأجلسه أعلى منه منزلة.
ومدت موائد الطعام والشراب، وعذب السمر، وخلال كل ذلك ازداد الملك بعلبك شحوبا حتى إنه لم يجرؤ على أن يشير للتبع مرحبا إلى حيث موائد الطعام.
وتزايد اكفهراره أكثر، حين لاحظ أن الملك ذو اليزن ووزيره يثرب أو أيا من مرافقيه لم يقرب أيضا طعاما أو شرابا.
بل إن الوزير «يثرب» نادى أحد مقربيه وأسر له بشيء لم يسمع، تواتر من فوره إلى جموع الضيوف في ذات الصمت الحازم.
هنا تزايدت هواجس الملك المضيف، وهو يرقب ما يحدث، من دون أن يعرف فحواه، وتساءل: تراهم قد عرفوا بأهوال هذه الوليمة المسمومة!
وحاول دفع الملك ذو اليزن إلى المشاركة في الغناء والطرب، جاذبا اهتمامه إلى مهارة حلقات الراقصين وهم يدقون الأرض في تناسق متناغم عرف عنهم منذ القدم، وجاءت به الكتب والأسفار القديمة، وشاركه التبع ذو اليزن مؤكدا، في صفاء عن مدى مهارتهم وحسن غنائهم وإيقاعهم.
وعم الحفل لحظة وجوم امتدت ثقيلة إلى أن قطعها سقوط بعض اليمنيين صرعى بعدما تسرعوا وأكلوا الطعام المسموم يعانون في صمت وأصوات مكبوتة، مما دفع بالتبع ذو اليزن، إلى مقاربة ملك بعلبك مسرا في أذنه قائلا: مرادي أن أنازلك أيها الملك في الميدان!