تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن الغريب هنا أن كثيرين من أصدقائه ومقربيه قد شاركوه ذلك الإحساس.

وأن الملك التبع ذو اليزن، فاتحه كثيرا في ذلك التصور حول الإرهاص بمولد شخص كبير منتظر، قد يغير يوما وجه الأرض، وسيجيء مولده من بين ربوع هذه البلاد.

وفي البداية تصور الوزير «يثرب» أن الملك ذو اليزن - وعلى عادة ما عرف عنه - إنما يوافقه في تصوره هذا، من باب المجاملة فحسب، إلا أن الملك كرر على مسامعه كثيرا مشاركته إحساسه ذاك وعبر مناسبات مختلفة، مما دفع به إلى التيقن من صدق إحساسه.

بل إن حماس التبع في التعجيل ببناء يثرب واستجلاب ما يلزم لبنائها وتخطيطها من خيرة بنائي مصر والعراق والشام وعلى نفقته الخاصة، قد فاق حماسه ذاته.

ولكم حاول الوزير يثرب، أن يدفع الملك التبع إلى أن يعطيها - أي يثرب المدينة - اسمه بدلا منه، إلا أن ذو اليزن رفض مصرا على تكريمه بها.

مما دفع بالوزير إلى مواصلة سهر الليالي بحثا عن شيء - متكافئ - يرد به جميل الملك وحسن صنيعه، دون جدوى.

حتى إذا ما جاء يوم طالبه فيه الملك ذو اليزن بسماع آخر أشعاره وقصائده، أمهله الوزير بضعة أيام ليكتب فيها «معلقته» عنه، ولكم عانى الوزير يثرب في محاولة التعبير عن مدى حبه وتقديره الجارف لذلك الملك التبع، الذي لا يحدوه سوى الخير والعطاء لبسطاء الناس أينما اتجه وقادته قدماه، إلى أن وصفه في قصيدة عصماء.

الفصل الثاني عشر

| البحث عن كتاب النيل ومنابعه

لكم تمنى الوزير الحكيم «يثرب» أن يطول به المقام في هذه البلاد العاطرة، على مقربة من «بيت الله».

فلقد شعر بالارتياح، الذي شاركه الملك التبع ذو اليزن، الإحساس به عميقا جارفا، خاصة وبعدما شفي من بلائه عقب إقدامه على كسوة الكعبة.

بل إن ما ضاعف من انشراح قلب الوزير الأول، هو ذلك النمو المطرد الذي بدت عليه المدينة التي أقدم على تشييدها «يثرب»، والتي تلاحق عمرانها وعمرت أسواقها بكل منتجات بلاد العرب والعجم والهند وبلاد الشام ومصر وقرطاج والحبشة.

فأقيمت المباني وشقت الطرقات وأنشئت الحدائق وملاعب سباق الخيل على ضفاف أنهارها وبساتينها التي اجتذبت الزائرين ووفود الحجيج من كل مكان.

بل إن المدينة وصلت إلى ذروة بهائها وعطائها إلى حد أن الملك التبع نفسه ذو اليزن لم يعد بقادر على فراق يثرب وحلو لياليها وسمرها، ليواصل زحفه على رأس جيشه إلى بقاع لبنان محط آماله عبر رحلة زحفه وفتوحاته، مرورا ببلاد السرو وعبادة وأرض فلسطين ووصولا إلى السودان والحبشة.

فلقد كانت تلك الرحلة الشاقة المضنية، هي الحلم الأزلي للملك منذ صباه. - البحث عن كتاب النيل. - كيف؟ - مصادر النيل.

سأله الوزير ذات مرة: أتقصد من أين يجيء النهر؟

أجابه ذو اليزن، منكبا بكامله على استكمال مخطوطة دونت صفحاتها على رقائق من جلود الأيائل البرية قائلا: المنابع.

ولعل ذلك الاهتمام من قبل الملك بالماء مصدر كل حياة ونمو، نبت معه كهواية ومنذ صباه المبكر، وكان أيامها في الحادية عشرة من عمره، وهو ما دفع بالوزير يثرب إلى احتضانه إياه، وتبنيه منذ تلك السن، وكما لو كان ابنه أكثر منه معلمه الذي اصطفاه، وهو ابن عمرو القتيل.

فلقد كان الماء ومصادره ومكوناته وطرق التحكم فيه وتطويعه لخدمة الناس هو الاهتمام الأول لذو اليزن أينما حل، فهو موضوعه الذي لا يمل الحديث عنه والقراءة فيه. - فهو ذو اليزن؛ أي ابن ماء اليزن.

هو كما لو أنه متحد بالماء ذاته، باحثا عنه، مسخرا كل ما توصل إليه من مصادر قوة، لإعادة تملكه. - الماء.

فما كان من مكان نزل فيه، إلا وبحث عن مصادر مائه ومصدر حياته، وإذا لم تتواجد «نجدها بسواعدنا قبل أي شيء»، كما كان يحلو له القول.

وها هو «يمن» ذو اليزن السعيد، ينعم بسدوده ومشاريعه التي فجرته - أي اليمن - بالعطاء، جبلا وسهلا.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣٩