واجهه الملك ذو اليزن: أخبرني أيها الصديق.
وهنا اندفع ذلك الغريب السائل، ساردا تاريخه وخصائصه وحصونه وقلاعه وكتائب جيشه - من حراس الأرز - وعن سطوته وثرائه. - يا للغرابة!
ليلتها لم ينم التبع وظل يفكر، وفي النهاية عقد العزم على المسير إلى بعلبك والبقاع مهما كلف الأمر؛ لتأمين ذراع حمير الطولى وتحصينها التي أخذ «تباعنتها» على الدوام بمنطق «أن الهجوم خير وسائل الدفاع». - أيها الناس، إن لم تهاجموا الناس هاجموكم، وإن لم تغزوهم غزوكم.
ولم يطل الوقت كثيرا بطبول الرجروج، حتى سمعت مدوية عالية من كل موطن وقوم، على طول ملك حمير الشاسع.
واتخذ جيش ذو اليزن طريقه شمالا إلى أن حط رحله في موطن يقال له «وادي فزان» على مشارف «بيت الله» في الكعبة.
وتوقف ذو اليزن منبهرا من الكعبة وبنائها وشموخها، والآلاف المؤلفة التي قدمت لزيارتها من كل موطن وقوم وكيان.
أما الوزير «يثرب» فقد توجه من فوره للزيارة والحج إلى بيت الله، مما أوغل صدر التبع، فحاول مهاجمة بيت الله متجبرا، وبذل الوزير غاية حكمته محذرا إياه، الذي تراجع من فوره متخاذلا، ثم انسحب واهنا إلى مضاربه فلزم فراشه مكفهرا مريضا، غير قادر على اتخاذ أي قرار.
ولزم الملك فراشه أياما يعاني من آلامه المبرحة التي ألمت به، وعجز حكماؤه عن شفائه، إلى أن ثقل عليه المرض وأصبح يهذي بلا طائل، طالبا ومستنجدا بوزيره، المقرب يثرب شاكيا له: أيها الوزير العاقل الخبير يثرب، أخبرني بما دهاني؟
وهنا أخبره الوزير، بأن ما اعتراه من مرض عضال بسبب تطاوله على بيت الله الحرام، الذي شيده إبراهيم الخليل وبكره إسماعيل - أبو العرب - مزيدا: فللبيت رب يحميه، أيها الملك.
هنا تحامل الملك ذو اليزن، متخذا طريقه إلى حيث الكعبة فأومأ إليها مثله مثل بقية خلق الله، إلى أن أتم حجه.
ثم أمر بكسوتها بغالي الديباج وتزيينها بالذهب والفضة ونفيس الأحجار الكريمة التي كانت في حوزة التباعنة.
وحين عادت إلى الملك عافيته، وزالت عنه أمراضه وآلامه، دأب على كسوة الكعبة واستكمال ما يلزم من زينتها ومنشآتها.
بينما طاف الوزير الوادي المزهر المتاخم الذي يعبقه رحيق العطور؛ عاقدا العزم على إقناع الملك بالبقاء في تلك الربوع التي تعيد للنفس صفاءها.
ورجع التبع ذو اليزن إلى رأى وزيره بمواصلة البقاء في رحاب «بيت الله»، دون استعجال المسير.
أما الوزير «يثرب فقد أخبر الملك مطولا بتاريخ بيت الله، وما سبق أن تعرض له تباعنة اليمن من أسلافه الذين حاولوا مجرد الاقتراب منه دون خشوع، ومنهم «يعرب بن قحطان».
أما الوزير فقد استغرقه حلم أجهده طويلا، وهو بناء مدينة تشرف على هذا الوادي البهيج، ومن فوره عقد العزم، واجتهد في تخطيطها وعمارتها، وشق أساساتها، ورفع أسوارها وتعمير قصورها ودورها ومضاربها وأسواقها وما أجراه من أنهارها.
وهكذا عمرت المدينة وازدهرت ساحاتها وأروقتها وأسواقها، ورأى سكانها أن يطلقوا عليها اسم الوزير الحكيم «يثرب».
وساعد الملك التبع ذو اليزن وزيره في تعمير المدينة التي أعطاها اسمه، باذلا كل عون، إلى أن استقامت «يثرب» زاهرة، تفيض عمرانا وعطاء.
فما كان من الوزير إلى أن كتب معلقته الشهيرة للملك ذو اليزن، التي دونت على رقائق الذهب وعلقت بالكعبة الشريفة، وفيها يقول الوزير «يثرب».
أيا ملك في هذه الأرض قد سما
جللت بيت الله خزا مزركشا
يحير عيون الناظرين مرقما
وساعدتني حتى بنيت مدينتي
يهاجر إليها سيد الأرض والسما
ويظهر - يوما - دين الحق شرقا ومغربا.
فلقد كان الوزير «يثرب»، وعقب نزوله ربوع هذه الأرض، واختلاطه بأهلها وطوافه على طول بواديها ووديانها، كمن يستشف أمرا جللا هائلا سيحل يوما بها.
صحيح أنه لم يكن على يقين من أبعاد ذلك الانطباع الذي امتلأ به، إلا أنه كان وكلما مر به الوقت، تضاعفت رؤيته ويقينه من تصوره ذاك.