يقول الزغبي دياب بن غانم
بكيت على حالي وأنا مأسور
بكيت على جاهي وعزي وهيبتي
وأنا فوق يختي جالسا مسرور
ومن بعد عزي وارتفاعي وشمختي
بقيت مقيد بينكم مأسور
ثم قالوا له: لا بد من قتلك. وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا جزيرة قبرص، وطلعوه مقيد وأدخلوه إلى عند الملك هراس، وكان عنده جماعة من الناس، ففرح الملك وألقاه تحت العذاب.» ••• «أما ما كان من بني هلال، فإنهم كانوا في مسرات إلا والخضرا قادمة مثل هبوب الرياح، وهي كئيبة حزينة على فقد خيالها الزغبي دياب، فأول ما نظرتها ابنته وطفا، فصاحت وولولت، فتراكض جميع الفرسان على صاحبها، وفي تلك الساعة صار ضجة عظيمة.» «وأما ما كان من الأمير حسن، فإنه قال لأبي زيد: إن دياب صار له مدة ما حضر لعندنا، وأظن أنه مغتاظ علينا؛ لأننا ما خليناه ينهب حلب، فقال له أبو زيد: قم نزوره. ولما ساروا تحت منازل دياب سمعوا البكاء والنواح، وتقدم غانم أبو دياب وهو باكي العين، وأشار إلى الأمير أبي زيد بهذه الأبيات، يقول:
يقول الفتى غانم على ما جرى له
ودمعي جرى فوق الخدود سكيب
دياب يا عيني ويا نور ناظري
سقاه النيا كأس المنون عصيب
تفرق شملي بعد ما كان مجتمعا
غدرني زماني والزمان عجيب
أتانا ضيوف قاصدين بلادنا
على ظهر خيل مثل ريح هبيب
فأضافهم ولدي وقام بجمعهم
يرحب فيهم غاية الترحيب
فقلبي يحدثني يقول لي
فما هم إلا من أهالي العيب
أبو زيد قدامك أبو زيد غانم
أبو زيد قدامك حزين كئيب
أبو زيد لك من المال جملة
ألفين سرية وألفين جنيب
فلما فرغ غانم من كلامه، وسمع الحاضرين، حزنوا على فقد دياب إلى أن تصدى لإنقاذه أبو زيد الهلالي بعد أن ضرب الرمل، ورأى أهوال دياب وحاجته للنجدة، بعد أن عرف بمكان دياب، وأسره في جزيرة قبرص عند ملك يدعى الهراس.» «وتجهز للسفر، فأخذ عشرة فرسان، وصار يقطع البراري، وما زال سائرا حتى وصل قبرص (؟!) إلى أن وصل إلى باب المدينة رأى الهراس خارج بجماعة إلى الصيد والقنص، فعرف أبو زيد أنه الملك، فتقدم إليه وسلم عليه بأفصح لسان، وسحب المبخرة، وحط بخور، فعقد الدخان، وقال له: هذا البخور من دير الحيران، وطلع ثلاث شمعات، وقال له: خذ هذه من دير البنات ودير الحميرة المباركات، فقال الهراس: وقعت يا أبا زيد، وكيف خلصت وأنا مربط عليك الطرق؟ فقال سلامة: لا تقول هذا الكلام يا ملك الزمان، أنا خدام الملك مثقال ولي مائتين عام سابع ما خليت دير ولا صومعة ولا مجلس، وإنك الثالث على دياب وأسرته؛ لأنه قتل بدريس. فقال الهراس: يا راهب! أما دياب فقد مسكناه في الحديد رميناه، ولكن بحياتي عليك أنت بعينيك مثقال. فقال أبو زيد: أي وحق الإله المتعال. فعندما أخبروه والهراس كيف عمل في دياب وسريعا دخلوا إلى الديوان، وأمر أبو زيد بالجلوس، فجلس للطعام، فأكل ثم بدأ أبو زيد الملك حديثا ما سمع مثله في طول عمره، حتى ولا من العلماء والفلاسفة، فسر منه جدا، ونادى في أكابر ديوانه بأن يكون أبو زيد الكبير فيهم جميعا، فتقدم كبير الرهبان، كان حاضر ضرب الرمل، فعرف أنه أبو زيد، فقال الجميع: هذا كبير إنه إذا تغلب يكون اتغلبنا، وكان يسمى أو برناس، فتقدم لعند أبي زيد، يقول:
قال الراهب أبو برناس
اسمع قولي يا قاضي
أنا لك ضد بهزل وجد
وحق العهد وأبو شماس
دخلت المكر وبحر الفكر
وماء السكر وأم الناس
وما المكروه وما المحروم؟
وما المنصوص بغصن الآس؟
وما البنتين لهن بعلين؟
وما الشخصين وما الرفاس؟
وما المحروم والمطروف؟
وما المعروف وما الجلاس؟
سؤالي جيب إن كنت لبيب
بلا تعجيب وما ملاسي
فأجاب أبو زيد:
رد سلامه يا جلوس
أنتم ملوك خيار الناس
كونوا شهودا على الراهب
شهادة حق بغير أكاسي
وشوفوا السيد من الخادم
وابن اللاس وابن الناس
وأما المكروه وما المحروم
وما لقوا إبليس وخاسي