ولا حد ولا نهاية لمدى الجروح والعلل التي يحدثها ذلك الزمن الجائر وأفعاله ونكائده:
جرحي القديم الأولاني أنا كنت راضيبو
ولما نزف الجديد ع القديم زادت لهاليبو
ففي معظم الحالات يتبدى ذلك الخصم أو العزول، أو العدو، أو الندل أقرب إلى أن يكون خصما طبقيا:
عزول عمل طبيب للجرح ورماله
حفنة من السم من غير وعي ورماله
كذلك ففي بعض الحالات لا يبرأ من الهموم والجروح حتى إنسان غني قد يمتلك غليونا ممتلئا مصنوعا من خشب الصندل المقدس:
تاجر من الروم واسق غليون
وقلبه م الهموم صندل
يا خسارة مللا تاجر عال
بس قلبه م الهموم صندل
وفي أحيان قليلة يأخذ الخصم و«العزول» دورا جمعيا شاملا كقطاع من المجتمع أو الكيان الصغير، الذي تعمل داخله وعلى أدنى وحداته التعارضات والتضاد الاجتماعي الطبقي:
عوازلي
1
يحسبوني مت وجم يهنوا
مكحلين العيون وكفوفهم متحني
لكن لما لقوني سليم
عادم بعلة
هم للآن معلولين
وداخل رقعة هذا الموال الفلسفي الشعبي الفولكلوري، عادة ما يشار إلى أن أولئك الخصوم والعواذل والأنذال يفتقدون الأصل، إنهم قليلو الأصل والمنابت داخل البنية القرابية:
زرعت في كفي اليمين أتة ومداده
2
وصبحت أدادي
3
في قليل الأصل ما اداده
لما لقيت عيبه
4
في الخط سد ما داده
رميت حمله على ظهره وقلت يا عين
كفي القدم عن قليل الأصل وبلا ده
5 •••
تركناك تركناك يا قليل الأصل يا مايل
يا ما عملنا فيك معروف وجمايل
وبتضحك على إيه وحملك من وراك مايل؟!
وبما أن هذا الموال مرتبط أكثر ببيئته الزراعية وحملته من فلاحين وأجراء و«تملية» وعمال تراحيل؛ فإن صوره الشعرية وتشبيهاته وتوسلاته التعبيرية عامة مزهرة نضرة كمثل حقول وبساتين متفتحة:
أنا اللي زرعتكم قمح يا رفاقة لجل محبتي فيكم
وتركت أراضي العنب وجيت أراضيكم
نمت وصحيت لقيت الندل بيملا ويسقيكم
رميت حمله على ضهره وقلتلو روح
يا عيش بلا ملح يا خسارة الرفق فيكم
وعليه، فقائل هذا الموال الأحمر - وجمهوره - هو إنسان منسلب، والتعبير الشعبي له أنه «مسلوب» وجمعها مساليب، إنهم شباب ومراهقي الطبقات الكادحة التي لا تملك أكثر من قوة عملها بإزاء مستغليها من ملاك ومقاولي أنفار عمال التراحيل، وهكذا.
فقائل هذا الموال وجمهوره، وكما يتضح بوضوح كاف من النصوص المنشورة، هو إنسان ممزق بعمق، يفت فيه الانسلاب المتوارث، والخرافة الغيبية، منذ عصور موغلة في القدم، ويمكن القول بأن الكم الأكبر للنصوص المنشورة هنا لا تبعد بنا كثيرا عن أشعار ومراثي ونصوص توابيت موتى متواترة بالحفظ، منذ الدولة الوسطى - 5 آلاف عام - بنصوصها وتمزقاتها.
فالبروليتاريا منذ وجود الإنسان المستهدف للعقل هي هي بذاتها، إنها العنصر العيني في هذا المجتمع، وجانبه الموجود الخلاق وحقيقته الكبرى. لكن حقا ما العمل بإزاء انسلابها، بإزاء محنتها؛ من طبقية وفلسفية أو روحية، عبر عمليات التضليل التاريخية، والتي هدفها طبعا افتقاد جماهير هذا الموال لقواها الكامنة، والتقبل طائعة لأغلال انسلابتها السالفة والآنية، وإسلام زمام أمورها لقوى غيبية - أو منتجات روحية - تقف جاثمة؛ من قدر ودهر وزمن والبين الباطش، الذي ستطالعنا نماذجه هو وابنته وعياله بكثرة شديدة، لدرجة دفعتني لأن أفرد لها فصلا خاصا داخل رقعة الموال الأحمر، وما ينتظم تحته من موضوعات متحددة عن ذلك البين الباطش، والزمن أو الدهر ونكائده، والتمثل بالجمال وأحمالها والإفراط في العلل وذوي المواجع، كذا المواويل والمأثورات الشعرية عامة، التي تتحدث عن الرديء أو الردي، وكذا ثنائية الخسيس والأصيل ونشدان الصداقة إلى حد التقديس، بالإضافة إلى الأشعار الدينية، وأخصها أغاني ومربعات التخمير ، وأخيرا الندب والعديد أو البكائيات والمراثي؟
وكثيرا ما يرد في ثنايا الموال الأحمر ما يشير إلى أسماء آلهة فرعونية وسامية مندثرة، والقسم بآلهة وثنية وبنيها، أو وأهل بيتها وقبيلتها.