تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل إقدامنا على إيراد هذه الإلمامة عن الدور الإيقاعي والميلودي الغنائي المصاحب لهذه الأشعار والأغاني، وذلك لاستكشاف علاقة الإيقاع ومصاحبته لهذه الشعائر، وكيف أن من أغراضها في حالات الولادة حماية الوليد من الأرواح الشريرة والحسد وغيره بالزغاريد ودق الهون والأواني المعدنية، وحماية الأحياء من الميت في حالة دق النواقيس والإنشاد الديني؛ دلائل الخيرات.

فالغناء الجماعي والفردي، وإطلاق الأعيرة النارية، والزغاريد، والنواقيس، تكثر وتنشط مصاحبة لشعائر الانتقال، أو مراحل أطوار العمر.

ومبعثها هنا الخوف والحاجة إلى الحماية، أو التوسل بالغناء والإيقاع من فردي لجماعي، للتشجيع والحماية، سواء المصاحبة لأطوار وشعائر التجمع الدنيوية، أو تلك المصاحبة للانفصال والغياب والموت ذات الصفة الجنائزية، ثم ما يتحرك عبرهما من شعائر انتقالية هامشية وليست جوهرية، وهي الدورة الثلاثية التي عادة ما تصاحبها هذه المواويل من حمراء جنائزية، وخضراء دنيوية، وأغاني موضوع هذا الكتاب.

5

الفصل الأول

| الموال الأحمر ووهج الثورة المحبط

وتتبدى فواجع ومواجع شعوبنا غائرة الجروح والعلل إلى أقصى وأقسى مدى يمكن تصوره في الموال الأحمر، ذلك الذي مجاله الجوهري هنا هو البنية الاجتماعية الطبقية، في مجتمعات قائمة ومشادة - بالضرورة - على كل ألوان القهر وتصانيفه.

فهو يتحدث - على اعتبار أنه موال أحمر - عن ثورة متأججة على الدوام، عن أناس، أو جدعان، مفتقدة للجاه وبالتالي النسب، لا موطن للهموم إلا داخل قلوبها:

جدع بلا جاه مرساة الهموم قلبه

يضرب بلا جاه وأقسى من الهموم قلبه

وعن تصوره للحياة أو الدنيا بأنها كمثل خيال يسحب فريسته - الإنسان المعدم - مكبلا بالأغلال:

دنيا كما خيال بست حبال جراني

فمثل هذا الموال أقرب إلى بسطاء الناس من معدمين و«هفايا» في التعبير عن قهرهم اليومي، وعللهم ومجمل آلامهم.

وعادة ما يكون لقائل هذا الموال الأحمر وجمهوره خصم، يتبدى في بعض النصوص أقرب إلى أن يكون خصما طبقيا:

يا دي العجب يا ناس في جدع مجروح ومغطي

يفوت على الخصم واسق غلب ومغطي

وقائل الموال الأحمر يصبر على خصمه، حتى لو أنه ألقى أمامه - ككلب يقعي - بالسم، إلا أنه في بعض النصوص يصل به حقده على خصمه إلى حد:

من كتر عسره كوى خصمه على قلبه

كما أن قائل هذا الموال أو الأشعار عادة ما يكون مغتربا، ليس ذلك الاغتراب المكاني - وإن لم يخل الأمر منه في حالة عمال التراحيل وما شابه - بل إنه اغتراب وجودي اجتماعي بحسب المنطق الصوري:

أنا لو شكيت ربع ما بي للحديد ليدوب

الأولة غربتي والتانية المكتوب

فهو هناك يجانس ما بين الغربة وبين المكتوب المفضي إلى الجبرية، موقنا بالطبع بأن وضعه الاجتماعي، ولنقل قهره، مبعثه ذلك المكتوب الذي أراد له سلسلة اغتراباته وانحداراته، ولنقل أيضا تقلباته من موقع الغالب المنتصر المتسيد، إلى أن أضحى مغلوبا، مع الأخذ في الاعتبار المرادف اللغوي للغلب والغلابة والمغلوبين، من حملة وجماهير الموال الأحمر.

إن «شعائر» الانتقالات من حالة لما يناقضها، ومن طبقة غالبة لأخرى مقهورة مغلوبة، هي ملمح جوهري لهذا الموال الأقرب في إيقاعاته من «العديد» أو المراثي الذاتية، وكذا البكائيات والقبوريات.

واتساقا مع تراثنا العربي بكامله الموغل في القدرية والدهرية والزمن ونكائده، يضرب هذا الموال على نفس الوتر بل والداء:

بقى زمن شين مر على الصاحب

يعزه بالجهل ما يلقاش ولا صاحب

فهو عادة زمن جائر لا يؤمن له، ويحق الحذر منه ومن تقلباته وتراجمه وجوره:

إن جار عليك الزمان يا ابن الكرام

وجا مال

وراح متاعك وعزك وخدمتك

خيول وجمال

والزمن هنا هو بعينه الدهر:

لا تأمن الدهر إذا ترجم معاك وخدم

دا دهر ميال ياما هتك ملوك وخدم

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٥