تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتابو يشمل كل حالات وممارسات المنع والتحريم والتجريم لحالات بعينها، بدءا من شعائر الطهارة والنجاسة، والبدء والنهاية، وأخذ الوش، والطهارة، وعليه فدراسته لا تبعد بنا عن موضوعنا، حول أغاني وممارسات الزواج والموت والميلاد.

لذا فالتابو يجد بالطبع أرضه الخصبة الجديرة بكل ملاحظة وتدوين ودراسة خلال شعائر الانتقالات الكبرى من «المهد إلى اللحد»، أو الولادة والزواج والموت، التي تراعى بكل دقة، وفي الخروج عليها مروق، يستلزم في بعض الحالات العقاب والطرد، بل القتل.

فمنذ أن دخل تعريف أو مصطلح تابو أو تفوه

Tafoo

إلى اللغات الأوروبية، فاستخدمه كتاب عصر التنوير أو القرن 18 ومنهم جان جاك روسو.

إلى أن شغلت فيما بعد دراسته عديد من المشتغلين

1

بالعلوم الاجتماعية أو الإنسانيات زمنا طويلا، وهل المقصود بالتابو هو إتيان أفعال مباحة أو مقدسة، والإقلاع والامتناع عن أفعال أخرى محرمة أو ممنوعة، أو ما يتصل «بكلا» الحلال والحرام، مثل لمس أشياء أو الذهاب إلى أماكن بعينها، أو حتى مجرد النظر أو الشم أو السمع إلى أشياء، أو جهات - مثل القبلي - أو منازعات، أو حروب

2

بعينها.

واللافت أن مكتشفي القرن 17 للعالم خارج الغرب، مثل الرحالة كابتن كوك وغيره، وقد تحرجوا في المطابقة بين التابو وبين المقدس؛ وذلك لملاحظتهم أن النظام الذي يحدده التابو يتصل بمعاملات وممارسات الرجل ابتداء من الجنس، حتى عادات الولادة وتربية الأطفال، وعادات الطعام، كان لا يسمح لشخصين بالأكل معا على مائدة واحدة، وكذلك لا يسمح للمرأة مشاركة الرجل طعامه، بنفس ما كان يحدث داخل مجتمعاتنا إلى أيامنا هذه.

واللافت هنا أن تحريم أكل المرأة مع الرجل عندنا يجيء على اعتبار أن المرأة - هنا في بلداننا - ما هي - بدورها - إلا حريم، أو حرام، أو محرمة، وهو ما يطلق على طريقة أخذ الوش والبكارة في ليلة الدخلة وما يصاحبها من أغاني وممارسات، وسيرد العديد من أنماطها.

فعدم مشاركة المرأة للرجل الطعام، بل والكثير من الأفعال، مرجعه - كما سبق أن أوضحنا - أنها مدانة وأقل منزلة منه، كما يتبدى في أساطير الخلق والخطيئة والسقوط العربية والسامية، أما بالنسبة لتلك المجتمعات البولونزية، فالتابو يتبدى كمؤسسات راسخة، فزارتهم عشرات البعثات المتعاقبة لدراسة مجمل أنشطة حياتهم وشعائرهم الدينية، التي يقيمها ويتحكم فيها التابو، فحتى المعاملات اليومية من تجارة واستثمار وعمل أخضعت لنظام التابوات المتوارثة السائدة.

وما إن تجمعت المواد الميدانية أو الخام التي جمعها الرحالة والمبشرون في القرن الثامن عشر لدى الدارسين الأوروبيين حول ظاهرة أو النسق البنائي للتابو في تسانده الوظيفي وعلاقاته المتبادلة مع بقية الأنساق، مثل البناء الاقتصادي والسياسي والقرابي؛ حتى نشطت حركة دراسات ملفتة حول هذا النسق داخل مختلف المجتمعات، خاصة مجتمعاتنا العربية، سواء في غرب آسيا أو الشمال الإفريقي، أو بالنسبة للغات السامية، وأخصها المعاصرة العربية والعبرية أو على مستوى الممارسات والنظم الاجتماعية والسياسية ودورهما في حماية الملكية والميراث والتوريث ... إلخ.

فعن طريق الاستطراد في دراسة مختلف الأنشطة والممارسات والتصورات التي يحكم ناصيتها التابو داخل هذه المجتمعات، أمكن التوصل إلى أن الكثير من مختلف العادات والممارسات التي ما تزال تواصل سيطرتها على مختلف أنشطة الذهن والمخيلة البدائية عند مختلف القبائل والشعوب خاصة في عالمنا العربي، مثل طرق القسم والحلفان سواء بالآلهة أو الموتى أو الأشياء والأماكن المقدسة، ومنها أجزاء الجسم البشري، مثل الشعر والعينين والفرج والنصوص، ومثل الدعاء والتوسل بحلول الكوارث والمصائب بالآخرين والأعداء، ثم عكسه أو نقيضه الذي يهب الرزق والبركة، وهو ما كان يحدث بكثرة مفرطة وعلى مستوى مختلف مؤسساتنا في حروبنا الأخيرة مع «الأعداء»، مثل الفرنسيين والإنكليز ، بل واليهود في أيامنا هذه.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذج · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشعر الشعبي الفولكلوري: دراسة ونماذجص ٥٩