كذلك لاحظ مالينوفسكي وغيره داخل هذه المجتمعات الأمومية أن في مقدور أي فرد أن يذكر سلسال انتسابه الأموي حتى الجيل الثالث عشر، دون أن يحفظ ويتذكر أكثر من ثلاثة أجيال أبوية.
4
ويمكن القول بالنسبة لعالمنا العربي، أن كلا التوريث والانتساب للجدود يسير في خطين، صحيح أن السلطة للرجال في هذا المجتمع الذكوري، إلا أن الجنة تحت أقدام الأمهات، إلا أنه من حيث الميراث والتوريث يسير في خطين.
وكان لريموند فيرث سبق التوصل والتبصير بهذه الطريقة الثالثة التي لا هي بالأبوية الذكورية، ولا هي بالأموية الأنثوية، وإنما هي تجمع بين النظامين، وعرفها فيرث بالقرابة من الأب والأم، كما يمكن تتبع ملامحها عبر مختلف الطرق والأبنية أو المداخل، من لغوية، واقتصادية، أو قرابية تتصل بالميراث والتوريث، بالإضافة إلى رواسب نظام التابو والطوطمية.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنه من الصعب علينا كمجتمعات عربية - أبوية - تصورنا لإمكان استمرار مجتمعات أخرى كثيرة مخالفة يتم نقل السلطة والامتيازات فيها عن طريق الأم، أو السلسال الأموي، وهو ما يحدث فعلا عند كثير من الشعوب، خصوصا البدائية في ميلانيزيا وشمال أميركا، وقبائل وسط إفريقيا وشمال روديسيا ، وكثير من الولايات الهندية وجزر الهند الشرقية عامة.
وتذكر مسز أودري ريتشاردز، التي سجلت دراساتها الميدانية الأنثروبولوجية داخل قبائل البامبيا في شمال روديسيا، أن الحكومة العنصرية شجعت عن طريق الإرساليات منع انتساب الشبان إلى أمهاتهم، وتشبها بالأقلية الإنكليزية، عليهم أن ينتسبوا لآبائهم.
كما أن رحيل الرجل للعمل في مناجم النحاس، قضى على عادة أو نسق مبدأ إقامة الرجل في موطن زوجته، وحتمية أن يجيء من قريته الأصلية، وهي المكان الذي ولدت فيه أمه وأخواله.
كذلك كان لفيرث سبق الريادة في دراسة نظام أو نسق الزواج بأكثر من زوجة واحدة، وهو النمط الشائع في العالم الإسلامي والصين وأجزاء كثيرة من إفريقيا، خاصة الأوقيانوسية.
وسجل ملاحظاته على النحو التالي، بأن مثل هذا الزواج عادة ما يمارسه الأثرياء، وهم عادة رجال تخطوا الخامسة والأربعين.
كما أن من أسبابه الإشباع الجنسي، لا على اعتبار أنه مجرد شهوة، ولكنه إشباع لما يمكن اعتباره رغبة طبيعية، بالإضافة إلى ما يتصل بالمحارم الجنسية، وتابو تحريم ونجاسة المرأة بعد الولادة الذي قد يمتد لعدة شهور، ويستلزم منع الاتصالات الجنسية بها.
بالإضافة إلى علاقة تعدد الزوجات بارتفاع عدد الإناث عن الرجال، وبالأسباب الاقتصادية، وهجرة الزراعة، وزيادة القوة المنتجة، وارتفاع صيت الرجل، فالعائلة المتعددة الزوجات هي عبارة عن عدد من الأسر الصغيرة المتميزة، والتي يكون فيها الزوج - أو الأب الذكر - ملتقى عدة مثلثات لها أب واحد مشترك، في موقع الجد السالف، وداخل مجتمعات تقدس وتعبد السلف والسلفية.
ولعل ما أوردناه عن أهمية دراسة نظم وممارسات القرابة عبر ظواهر دورة الانتقالات المتصلة بالموت والميلاد والزواج واحتفالاته، وما يصاحبه من أغاني ومواويل، لا يبعدنا كثيرا عن حاجتنا إلى جيل مبشر جديد من الفولكلوريين الإثنوغرافيين.
وحيث لا يقتصر دور باحث الفولكلور عند جمع وتسجيل ودراسة نصوصه الميدانية، بمعزل عن أبنيتها الثقافية المتوارثة أو المتواترة، وأخصه هنا ما يتصل بالبنية القرابية، وكذا التابو، ودوره وأنساقه، وهو ما سنتعرض له في الفصل التالي.
الفصل الخامس عشر
| التابو وظواهر العرس العربي المختلط
وإذا ما انتهينا من ممارسات وظواهر انتقالات الزواج تمهيدا لتقديم ما يصاحبها من مواويل خضراء - فرحة - وأغاني، للوقوف على كيفية تحكم القرابة الطوطمية في تقاليد وروابط - اتصالية وطبقية - للزواج، ولإيضاح كيف أن مثل هذه الاحتفالات وما يعقبها من إنجاب للأطفال، وبالتالي ممارساتهم وأغانيهم، اعتبرت على الدوام مجالا وحقلا مخصبا للملمح القرابي والقبائلي لفولكلورنا العربي، بالإضافة إلى بقية الملامح التي تحدد سمات وخصائص رقعة فولكلورنا المتوحدة - لكل من يتكلم العربية وشقيقاتها من عبرية وسريانية - من ذلك التابو - أو المباح والمحظور - الذي لم تعد دراسته قاصرة على الاجتماعيين الأنثروبولوجيين بأكثر من الفولكلوريين.