1
أما الدفوف فكثيرا ما تصاحب الأرغول، لكنها تستخدم كأدوات موسيقية مفردة أو مجتمعة في مصاحبة الإنشاد الديني، وبخاصة أكثر مع القول المصاحب - الندب - للمراسم الجنائزية وجنازات النساء، وتبعا لحالات الوفاة والافتقاد، ما بين أب أو أم أو شاب لم يتزوج.
وكما هو معروف تشارك أكثر من أداة موسيقية، من طبول ورق وصاجات وتصفيق أغاني الأفراح، والبالادا الغنائية التي يرجح البعض أنها وضعت أصلا لتصاحب الرقص، مثلها مثل «البالاتا
Ballata » الموجودة في جنوب أوروبا، والتي تعود بأصولها إلى ما قبل ألفي عام، أي منذ العصر الروماني، ولها أشكالها المختلفة لدى معظم شعوب غرب البحر الأبيض المتوسط.
فبالاتا الندابات الكورسيكيات وال
Coronach
الغالية تعتبر من أهم جذور الشعر الملحمي كله، كما يذكر كراب.
ولعل كل هذا لا يبعد بنا عن موضوعنا هذا الماثل، وهو الإيقاع وما يتضمنه من ألحان وميلوديات غنائية، مصاحبة لنماذج هذه الأشعار والأغاني الشعبية والفولكلورية في أدنى أنواعها وأغراضها، سواء كانت إيقاعات حزينة فردية ديكورية مصاحبة للموال الأحمر، أو هذه الشكايات الأدبية الشعرية الأقرب إلى المراثي الذاتية، والتي يرجح حقا اشتقاقها من المراثي الجنائزية.
مع ملاحظة أن هذه المواويل الدامية الشاكية ليست وقفا على الرجال، بل إن للنساء الباع الأكثر طولا، كما يتضح من الأمثلة:
حلمت بالليل يجعله خير وسلامة
بأني غريب الديار والنفس منهانة
بكرة الغريب - يا عين - يروح دياره
وكلمة الندل مضرورة ومشتالة •••
يجازيك يا دي الردي يجازيك
ياللي بتبحت في جدانا
بعد الجميل ما كان رامي الرماميل
خليته جفانا
والإيقاعات المصاحبة عادة لمثل هذه المراثي والشكايات والتوجعات الذاتية الفردية، أقرب إلى أن تكون ساكنة بطيئة متكررة بحسب البحور والتفاعيل الشعرية.
وفي النص التالي الذي يطلب فيه الشاكي المعلول من طبيبه أن يستنهض همته ويأتيه معالجا، وهو «جاعد» أو جالس مستسلما في النهاية لمعضلة قدرية موجزها أن دبيبا أو برصا سطا على طعامه وسممه، ويا للغرابة والمعضلة! حيث إن بسة أو قطة، العدو الأزلي للزواحف من حيات وأبراص، كان موجودا وجالسا بدوره! والمغزى هنا هو نفاذ المقدر والمكتوب، الذي لا مانع له، والذي ترجع بذوره إلى مطلع برديات الدولة القديمة، وعصر بناة الأهرام:
ما فيكش همة يا طبيب تداويني وانا جاعد
أمانة يا طبيب تداويني من دواك حبة
دا الدود يا طبيب نقط ع الفراش حبة
ومثل سمعناه من اللي قبلنا قالوه
دبيب سطا في الطعام كان بسنا جاعد
فمثل هذه الإيقاعات الخامدة تصل إلى نقيضها في حالات أغاني الأفراح والمناسبات، والأغاني الجماعية النسائية في حالات حمل النساء للمياه من الترع والموارد إلى الدور، وأغاني جمع القطن والحصاد وتنقية الدودة، والخبيز وطحن الرحى، وزفات العرائس والمطاهرين، وأخذ الوش، والاحتفاء بعودة الحجاج ب «الحنين»، بالموقعات الشعرية الأقرب إلى أن تكون ذات صبغة شعائرية أو دينية، تعرف ب «الحنين» أو «التحنين»، وهو تقليد موجود بكثرة عند أكثر مجتمعاتنا العربية، ويصل بها إلى حد التوحد التراثي العربي.
كذلك يمكن تسجيل ظاهرة الأغاني الطقسية والموسمية، المرتبطة بالاحتفالات الشعائرية الطوطمية لأضرحة الشيوخ والأولياء، من جانب كلا النساء والفتيات، والذكور من الشباب.
وفي حالة الذكور تضاف أغاني العراسات، وأغاني الرمي أو التلقيح التي تفيض بالأقوال الفاحشة.
أما أغاني الحرفيين والطبقات الوسطى الصغيرة؛ من خبازين وبنائين ومبيضي النحاس وحلاقين وحدادين، فيبدو أنها ازدهرت بدءا من الفاطميين، متوالية الإكثار في العصر التركي المملوكي. وكان يحتفل بها في ليلة رؤية الهلال أول رمضان فيما يعرف ب «احتفالات الرؤية».