ويرجع ظهور هذا الشكل الأدبي الفولكلوري في التراث العالمي بعامة، فيما بعد القرن الخامس عشر، ولعبت حركات الإصلاح الديني في الغرب دورا دافعا في تنشيطه، والاستفادة من رواته ومنشديه المحترفين مثل النسوة البدبات منشدات البلينا السوفيتية، برغم أن بعض الكنائس في العصور الوسطى حاولت تحريم إنشاده، واضطهاد رواته وحفظته ومنشديه.
ولقد احتفت المدرسة الأسطورية بريادة أندرولانج بإرجاع هذه القصص الشعائرية الغنائية إلى عصور موغلة في القدم.
ولا شك في أن بعض نماذج هذه القصص الشعرية الملحمية عمره من عمر الشعائر والممارسات الوثنية الطوطمية الموغلة في القدم، طالما أنه مرتبط بتقويمات ومناسبات دنيوية يراد لها الحفظ والانتشار، ولو من جانب المؤسسات الدينية التي عادة ما تتحرك في خدمة المسار السلطوي، ولو للعائلات المنسبة أو التي تضفي صفات وهالات القدسية والتقديس على أنسابها بما يحفظ لها استمرارها، وتواصلها السلطوي الطبقي.
ومن هنا تجيء - مثلا - سارة وهاجر التي تؤرخ للأصول للعائلة السامية برمتها؛ للأب السلف إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل أبي العرب، وزوجاته الثلاث: العربية، والعبرية، والسريانية.
وبذا أصبح الخليل إبراهيم بمثابة الأب السلف لهذه الأقوام - حتى - المتعاصرة، فالبلاد قصة شعرية فولكلورية تروي أحداث ملحمية يراد لها الحفظ والاتصال، عادة ما تكون على درجة عالية من الأهمية والخطورة، وعلى المستويات البنوية من سياسية وشعائرية واجتماعية وتقويمية تنتهي بكاملها عند هدف أخير هو حفظ البنية الطبقية دون أي اعتبار لما طرأ على مجتمع أو مجتمعات - هذه السير والبالاد الملحمية من تغيرات في علاقات إنتاجية، والشروط أو المتطلبات التي يعيش فيها الناس - وعن طريقها وعبرها - يتحدد وعيهم.
فثقل ومثل هذه النصوص خاصة تلك التي يكون موضوعها الشعائر والمنتجات الروحية؛ لا يدخل في اعتباره مطلقا أن تطور الأفكار والمعتقدات يجيء مسايرا للتطور التاريخي.
وعلى كلا المستويين الفكري العقائدي والواقعي الدنيوي المادي ذلك أن مثل هذه الخرافات الغيبية ما هي - في أحسن الافتراضات - سوى انسلاب للعالم الدنيوي أو الأرضي المفتقر - بالضرورة - إلى الوعي بنفسه، وإلى أن العالم يجب تغييره لا مجرد تفسيره من جديد، فالفكر الغيبي هو إسقاط وهمي للعالم الأرضي اتساقا مع ثقل مثل هذه الموروثات الروحية المدعمة بسلطة العادة والتوارث، وكذا التفسيرات المغلوطة لكلا التراث والتاريخ مجللة أو محماة بما أسماه أرثوتيلو - بالاهيزم، من روحانيات يضفيها الإنسان على كل شيء، وبخاصة طبقا الطبيعة الموحشة الغامضة من حوله.
وعلى هذا فالبالاد في أحسن حالاتها قصة «أنساب» أو عائلة أو قبيلة، مع الأخذ في الاعتبار أن العصب أو الجسد الفولكلوري العربي بعامة قبائلي.
بالإضافة طبقا إلى أنها - كما ذكرنا - قصة أو أغنية شعرية عادة ما كانت تؤدى بمصاحبة الموسيقى والرقص.
| مسرح مندثر للنساء فقط
ظاهرة ملحوظة في تراثنا لم تلق الاهتمام الكافي، وهي ظاهرة المسارح الشعبية مجهولة المؤلف؛ أي: الكوميديا آرتي. ومنها ما يختص بالرجال والنساء التي اندثرت مثل «مسرح الفصول المضحكة النسائي».
وكان يعرف بمسرح النساء أو فصول حجرات النوم النسائي، الذي تضطلع بتقديم غرة ليلة دخلة العروس - فرقة - آخر الليل للعروس، وأهلها من النساء، حيث لا يسمح للرجل - الذكر - حضور مشاهده التي عادة ما تكون مسخرة نسائية، هذا العرس الاحتفالي يستخرج الدفين من المواجع والتابوات ضد الرجل وتسلطه، هذا العرس الاحتفالي تبدأ الرواية فيه بتوجع شخصيتها الرئيسية لجمهورها: آه يا ننوسي، يا مطلع حسي.
وكالعادة تبادرها الفرفورة أو الداية والبلانة: ما بالك يا ستي؟