وورد في العهد القديم أن جن سليمان هم الذين شيدوا مدينة «تامار» أو «تدمر»؛ أي التمر أو مدينة التمر، وهذه الحكايات وغيرها كانت شائعة بكثرة شديدة بين العرب الجاهليين حول أحداث وخرافات ومأثورات وأساطير سليمان وبلقيس ملكة سبأ.
ويرى البعض أن اسم بلقيس مشتق من تسمية إله القمر عند السبأيين الذي لقب في اليمن ب «المقة»، ومنه جاء اسم الملكة بلقيس، كما يذكر أن من اسمه تواترت تسمية مكة المكرمة.
ومما يؤكد هذا الرأي أن نقوش المسند حفظت أسماء مجموعة من المعابد خصصت لعبادة الآلهة القمرية «المقة»، من أشهرها هذا المعبد الذي زارته إحدى البعثات الحفرية الأمريكية، وهي بعثة «وندل فيلبس» وما تزال بقايا هذا المعبد قائمة، ويعرف لدى اليمنيين باسم حرم بلقيس أو «محرم بلقيس».
كما أن في مدينة صرواح عاصمة ممالك سبأ معبد آخر لآلهة القمر «المقة» يعد أكثر قدما، ذكر المؤرخ «هاليفي» أن به بقايا جدران شاهقة، عليها كتابات بالخط المسند، ويطلق على ما تبقى من خرائبه «عرش بلقيس».
4
وتروي بعض هذه الخرافات أنه بعد تزوج سليمان بلقيس، وأنجب منها «رحبعم» الذي خلفه بعده على ملك اليمن، ضاع من سليمان خاتم ملكه، أو أن الأقدار ابتلته فضاع ملكه، وكيف أن ساحرا كتب سحرا وجعله تحت ملك سليمان، وسحر به أصف بن برخيا - كاتبه الذي ما تزال الذاكرة الشعبية تحفظ اسمه - وكيف أن الشيطان تمثل في صورة سليمان، ودخل على نسائه، وكن يبلغن ثلثمائة زوجة، وسبعمائة جارية ومحظية. وعندما سأل الشيطان نساء سليمان عن أسراره الجنسية قلن له: «إنه يأتينا في المحيض،
5
وإذا طهرنا لم يقربنا.» فقال الشيطان: «أنكرت سليمان لما رأيت من عدله، وأظهره لما رأيت من جوره.» أي إن سليمان توحد به؛ أي الشيطان.
ورواج خرافات الجن والشياطين في ثنايا تاريخ هذه الحضارة الحميرية، والتي تداخلت في نسب ملوكهم مثل بلقيس، وذي القرنين، والملك ناشر النعم، بالإضافة إلى أن قبائل بكاملها، أرجعت إلى الجن، مثل بني ملك وبني يربوع، ومن المرجح أن تكون فكرة الجن في منشأها فكرة دخيلة، جاءت بها هذه الحضارة الحميرية المبكرة خلال حروبها وفتوحاتها، واتصالاتها الأسيوية المبكرة فيما يجاورها من حضارات، خاصة الآرية في الهند وفارس (انظر: فرس إيرانيين آريين).
| حسن ونعيمة وشفيقة وزليخة لدى كل الشعوب
القصص الغنائية الشعرية التي لا يخلو منها تراث شعب من الشعوب مثل: حسن ونعيمة، وشفيقة ومتولي، وعزيزة ويونس، ويوسف وزليخة، وقيس وليلى، وخيزران، وسارة وهاجر؛ لها حيزها المرموق بالنسبة لدارس المأثورات والآداب الشعبية على رقعة العالم أجمع، وتعرف بالبالادا.
البلادا تسمية أطلقت على هذا النوع من الأغاني الفلولكورية الملحمية التي كانت منشأها أغاني تؤدى بمصاحبة الموسيقى، والرقص - مثل البلاتا الإيطالية.
فهي قصة شعرية مثلها مثل «عنتر وعبلة»، وعالية وأبو زيد الهلالي ، وسارة وهاجر، وحسن ونعيمة ... إلخ.
فهي أغنية ملحمية بأكثر منها ملحمة أقرب إلى الابتهالات البكائية والجنائزية، مثلها مثل أغاني الشهنامات الفارسية الإيرانية، وقصائد السيد الفرنسية، وبلاد نبلونجز الألمانية الإسكندنافية، والبليانات السوفيتية، والأغاني القصصية التي سبقت اكتمال ملحمة «كاليفالا» الفنلندية، وكذا أغاني رولان وبيولف، ثم بالاد سفند دايرنج الدينماركية التي تقارب قصتنا الملحمية سارة وهاجر، وإن كان كلاهما يشيع فيهما الحسن النسائي الذي هو الملمح الأكثر أصالة للجسد الفولكلوري العالمي بأكمله، من حيث الاحتفاء بمأثورات مثلث العائلة الخالد، الزوج والزوجة والابن وصراع الضرتين وطقوس الزواج والميلاد، واضطهادات زوجة الأب، التي تدفع بالأم إلى الخروج من قبرها، لتنقذ طفلها القدري المضطهد من براثن زوجة أبيه.