فطقوس الانفصال هنا هدفها حماية الأحياء، بتسكين روح الميت أو المتوفى، وبعث أكبر قدر من الطمأنينة والأمن، لكلا «روح» المتوفى وذويه.
كذلك تلتقي الأغاني والأهازيج والموشحات المصاحبة لدورة الحياة وطقوس تجمعها بالزواج والإنجاب داخل رقعة فولكلور شعوبنا العربية إلى حد التوحد.
بل إني أتفق مع الباحث الفولكلوري العراقي لطفي الخوري في أنه لا اختلاف كبير في «الأسرة العراقية وتقاليدها العامة المتعلقة بالزواج عن بقية الأسر في الأقطار العربية»
1
سوى في بعض التفاصيل التي تفرضها البنية السكانية، وكذا القرابية والبيئية، بالإضافة طبعا للقسمات الدينية التي تشكل الوطن العربي، من مسلمين وأقباط مصر، ونساطرة العراق، وموارنة لبنان وسوريا العليا.
إلا أن القاسم المشترك لها يتمثل في كونها طقوس «انتقال» تجمعية قوامها الاحتفالات الدنيوية البهيجة، وما يصاحب أغانيها من صلوات الشكر في الكنائس - كما يدخلها كراب.
فطقوس
2
الانتقال المصاحبة للزواج والميلاد لا تخلو على طول الوطن العربي من جذورها الأولى السحرية، والطوطمية، والقبائلية. بدءا من استخدامات رش الملح الجماعي، كممارسات لسحر المشاركة، والتزين، والزغاريد، ودق النواقيس، والأصوات العالية، والأعيرة النارية التي هدفها طرد الأرواح الشريرة، وشرور العين وإشاعة الأمن على العرس، وذروته هنا هما العروسان.
ومرورا بالزواج بالأقارب، أو الزواج «الاتصالي» الأسري القرابي القبائلي. بل إن في تقاليد واحتفالات الزواج والإنجاب والأغاني والأشعار والممارسات المصاحبة لها على طول الكيانات العربية؛ أرضا خصبة حقا بالنسبة لدراسة نسق أو منطلق جوهري أو استراتيجي لتراثنا العربي بكامله، وهو النسق القرابي القبائلي، الذي يتبدى بكثرة ملحوظة إلى أقصى مدى في تراثنا الفولكلوري العربي بعامة، بخاصة فيما يصاحب الزواج ومراحل انتقالاته، لا فرق كبير فيما يجري في دلتا الرافدين، ومصر، وفلسطين، أو المشرق العربي والسودان.
من ذلك الكثرة الموسمية للزواج ومراسمه، التي عادة ما تجيء في نهاية موسم الحصاد، وجمع الغلة؛ لدفع المهر، أو وحدة مهر العروسة التي كانت في الجاهلية تحدد وحدتها النوق أو الجمال، وعرف إلى اليوم بزواج المهر، تمييزا عن زواج «السفطة » لشمال العراق، و«الفصل» في وسطه، ثم «عقد النكاح».
لحين الحنة أو ليلة الحناء، وما يصاحبها من أغاني الفتيات المراهقات، الكاشفة في معظمها عن محرماتهن وتابواتهن، في الحب والجنس والزواج - كما سيرد بكثرة في مأثوراتنا القادمة عن أغاني الحناء.
كما إن في دراسة أغاني وممارسات الزواج والإنجاب، وما يدور في فلكها من شعائر وخرفات تفصيلية، منها ما يتصل باستخدامات نباتات، بل وعطور ووحدات تشكيلية بعينها، وما يتصل بافتعال العراك والعنف والمشاحنات لحظة خروج العروس بزينتها من بيت أبيها، أو في حالة تخطيها للمرة الأولى عتبة بيتها - الزوجية - الجديد.
وما يتصل بشعائر تقديس عتبات البيوت، التي ترجع جذورها في التراث الأسطوري والفولكلوري السامي إلى ما قبل الألف الثانية ق.م.
مثل سكب الماء، وأحيانا الملح على العتبات، وكذا التوسع في استخدامات النباتات الخضراء، كالنعناع وسعف النخيل، توسلا بسحر الشبيه - الذي ينتج الشبيه - أو الشبشبة، بدءا من خرق الحيص، وحرق وغز رسوم العوازل والأعداء والحاسدين.
وكذا شعائر انتقالات «أوض» أو حجرات النوم أو الدخلة، وأخذ الوش، ودور الداية أو القابلة بتعريف العروسين، ودفع الفكة.
من نقود للداية أو العروس، وأغاني أخذ الوش - أو فض البكارة - التي عادة ما تجري على مشهد من الداية، باستخدام الأصابع وعليها «المحرمة» الحريرية البيضاء، وإشهارها بالأغاني عبر البلدة أو الجع «قولو لابوها إن كان جوعان يتعشى».