بل إن الاختلاف والإضافات التي يجيء بها هذا النص، عما سبقه من مدونات عبرية وعربية، تصل إلى اللعنات العشر، ومغزاها خيانة فرعون وخبثه لوعده وكذبه، وجزئية الكذب أكثر صدقا واتساقا وانتماء لملامح التراث المصري الفرعوني منه بالنسبة للسامي.
فكما هو متفق عليه، فإن حكايات الصدق والكذب الخرافية والمحلية - على السواء - تشكل ملمحا تراثيا مصريا رئيسيا، مع الأخذ في الاعتبار أن تراث الحكايات المصرية في عمومه يعتبر واحدا من أكبر الخزانات أو المخزون العالمي، جنبا إلى جنب مع الآري الهندي والسامي العربي.
وأشهر هذه الحكايات الفابيولا البردية التي اكتشفت عام 1930 عن الصدق والكذب، وكيف أنهما كانا أخوين تنازعا فيما بينهما، على عادة نظائرها من الحكايات الخرافية.
ويمكن القول بأني جمعت مجموعة لا بأس بها من تنويعات النماذج الأم - للبردية المصرية - التي ما تزال تعيش على الشفاه.
كما يلاحظ بوضوح تام أن الصراع بين موسى وفرعون صراع عقائدي أضفى عليه الراوي المسلم طبعا أنه صراع بين الكفر والإيمان أو الإسلام.
يضاف إلى كل هذا تأكيد شخصية موسى كبطل شعبي محوري يناصر الضعفاء، ويجمع - حين ينادي على الرحيل أو الخروج - 70 أو 80 ألفا من مناصريه؛ أي اليهود المضطهدين.
كما يلاحظ أن للأرقام - التي ترد في هذا النص - دلالتها الأسطورية والتقويمية القمرية وليست الشمسية مثل الرقم 360.
وفي النهاية يرجح هذا النص الاحتمال الشائع القائل بأن الفرعون الذي كان يحكم مصر في تلك الفترة منتصف الألف الثانية ق.م؛ كان ساميا، ولنقل: آسيويا دخيلا بعامة.
من ذلك اسمه الذي يرد في المصادر العربية، على أنه كان يدعى «الوليد بن مصعب»، يضاف إلى هذا جزئية ذقنه الطويلة، وفكرة أو مهانة «نتف الذقن»، وأكل لحم الجمل، وصلب أعدائه من سحرة وكهنة، إلى آخر ما يضفيه عليه النص من ملامح سامية أكثر منها مصرية حامية.
أما فيما يتصل بجزئية طرح الطفل موسى في الماء - النيل - التي ترد بكثرة في الأساطير السامية وغير السامية، مثل: سرجون ملك بابل القرن الثالث ق.م، وتراخان ملك جيلجيت في الهملايا، ثم المسيح.
فأجدني أميل إلى اعتبارها فكرة مصرية؛ حيث إن لروح النيل - حابي أو أوجيجا - قدرة إيصال الغريب بلده أو شاطئه الآمن كما حدث مع أوزيريس، وحسن المغني في بالاد حسن ونعيمة،
10
وهو ما يخالف تفسير فريزر في أن «طرح الطفل في الماء إثر ولادته لإثبات شرعية بنوة الطفل أو عدم شرعيته، فإذا طفا الطفل فإنه يكون ابنا شرعيا وإلا فإنه يكون ابن زنا».
وفي بعض البالاد التي جمعتها من مصر الوسطى، ما إن نزلت آسيا زوجة فرعون الثمانين سلمة الموصلة إلى النهر، ووجدت الصندوق الذي بداخله الطفل موسى حتى:
بشرت بالماء وقالت: من أنت؟ من أنت؟ من أنت؟
فهمس موسى في أذنها قائلا: «أنا صاحب الحفلة اللي تعلمي بيها.
لا يخفيك شورى ولا قولي ... أنا موسى.»
وهنا تتخذ السيدة آسيا مكان الأم بالنسبة لموسى منذ أن انتزع من صدر أمه، وأحيل بينه وبين لبنها.
وهي جزئية ترد بكثرة وصاحبت مولد الآلهة والأبطال: روميلوس، وزيوس الكريتي، وليولياو، وإبراهيم الخليل، وسميراميس.
ففي كل الحالات ينتزع الطفل من أمه، وغالبا ما تأخذ مكان الأم عيلة أو سرب من الحمام أو راع، ثم حالتنا مع السيدة الإلهة آسيا، فهي المرحلة التي يجتازها الطفل البطل القدري بادئا بالتخلي عن الأم، والتي يفسرها فريزر بقتل الأم، مرورا إلى القدسية أو البطركية، تبعا لشعائر الانتقال الأخرى المصاحبة لنمو الطفل، وهو الاصطلاح الذي أرساه للمرة الأولى أرنولد فان جنب، مشيرا إلى «الشعائر المصاحبة لكل تغيير مصاحب للبطل في المكان أو المكانة أو الوضع الاجتماعي أو العمر»، مثل ما صاحب موسى من أطوار، بدءا ببطن أمه وكيف كان يختبئ من وضع لآخر، تبعا لتفتيش أيدي جند فرعون - ونمرود في حالة سالفه إبراهيم - ثم انتزاعه من صدرها والحيلولة بينه وبين لبنها، إلى التعميد بالماء، وقصر فرعون، وقواه النامية كبطل مدهش في صراعه مع فرعون، لحين هروبه إلى سيناء للحصول على الشارة أو الطوطم السلفي وهي العصا، ومخاطبة الرب، والعودة لفرعون، ثم اللعنات أو الضربات العشر التي ألحقها موسى وأخوه الكاهن هارون بفرعون وطبقته من الكفرة وجنوده، وليس المصريين كما تشير وتجمع المصادر الدينية من عبرية وعربية، بالإضافة طبعا إلى الإسلامية.