وفي العصور الوسطى استخدمت قصص هذا الكتاب الاستطرادية في كافة أغراض الخلق الأدبي في كتب القصص والأشعار والمسرح.
وكذلك ترد قصة «برلام ويوسف» في الأدب السرياني مدونة على النحو التالي: «قصة ابن الملك يوسف ومعلمه المسيحي برلام» وهو: أنه كان بأرض الهند ملك كبير يحب الدنيا ويعمل جاهدا لها، يكره الزهد ويحرق الزاهدين، فلما كان ذات يوم سأل عن رجل من خاصته، فقيل له إنه قد زهد في الدنيا؛ فعظم ذلك عليه وأرسل في طلبه، فلما مثل بين يديه أنكر عليه الملك هلاكه لنفسه ومفارقته لأهله، فأجابه الناسك بأن الدنيا إلى فناء، فحياتها موت، وغناها فقر، وفرحها حزن، وشبعها جوع، وصحتها سقم، وقوتها ضعف، وعزها ذل، ولذتها ألم.
واستمر الناسك على ذلك يصف الدنيا وأهلها وأحوالها في حديث طويل، ما إن انتهى منه حتى سأل الملك: هل يريد أن يصف له الآخرة؟ ولم يكن جواب الملك إلا أن جازاه بالشقاء والحرمان، وبطرده من مملكته.
ويدور الفلك ويرزق الملك بغلام بعد يأس من الخلف والإنجاب، ويجتمع المنجمون والعلماء ويبلغونه أن هذا المولود سيجيء بدين جديد. •••
فإذا ما كانت نقطة بدئنا هي الحكاية الحيوانية الطوطمية ضيقة الجزئيات، وأنموذجها الموفق في «تعاليم الطائر الثلاث»، بصرف النظر عما صاحبها من استطرادات، ولنقل: ما طرأ عليها من هجرات ومؤثرات بوذية، ثم مسيحية، وأخيرا سريانية.
ففي الإمكان الارتداد إلى نقطة منطلقنا عن حكايات الحيوان الشارحة، وتقديم أنموذج آخر منها، جمعت أحد نصوصه من مصر الوسطى عام 1954، وأقدمه هنا كنص شفهي للمحافظة على فويماته.
الديب والتمساح
ديب
5
متعود يزور تمساح كل يوم، ينط يركب على ضهره.
التمساح يعوم به على وش بركة قارون، ويلف به يفسحه في عموم البحور.
وليفة
6
التمساح زعلت وانقهرت، وفي يوم زارتها واحدة ست عجوزة، وقالت لها: «زعلانة من إيه؟» قالت لها: «جوزي التمساح، مصاحب ديب، والديب كل يوم ييجي من على البر يزوره، وخلاص ما عدش راجلي التمساح سائل فيا وبيحبني.» «العجوزة» قالت لها: «اعملي عيانة،
7
وقوليلو إن الحكيم وصفلك قلب ديب.»
التمساح رجع البيت، وجدها عاملة عيانة، ولما سألها وقالت له إن دواها على قلب ديب، التمساح طمنها وقال لها: «الديب موجود وصاحبي، وحايجيني بكره الصبح البحر، وحاجيبلك قلبه.»
ولما الديب تاني يوم زار التمساح الصبح، وركب على ضهره زي عوايده، التمساح خده في وسط البحر وحكالو الحكاية، فقاللو الديب: لا مؤاخذة يا تمساح أنا سايب قلبي في البيت وماجبتوش معايا النهاردة، طلعني على البر، وأنا أروح أجيبلك قلبي من البيت وأرجع.
التمساح وصله للبر، والديب أول ما حط رجله على البر مات على روحه من الضحك، التمساح شافه قاللو: «بتضحك ليه؟» الديب قاللو: بضحك عليك؛
عليل ما دويت،
وصاحب ما بقيت.
ودونت هذه الحكاية الحيوانية للمرة الأولى بالعربية بألفية الكاتب العبرية اليهودي «ابن سيرا»، على النحو التالي:
ما إن خلق الله العالم حتى أمر ملاك الموت أن يلقي بمجموعة من الحيوانات من كل الأنواع في البحر؛ لكي يعيش كل حيوان مع ما يخالفه من حيوانات، وعندما جاء ملاك الموت للثعلب وجده يصرخ ويهلل على شاطئ البحر، وما إن سأله عن السبب، حتى قال إنه يبكي صديقه الذي ألقي به في البحر. اندهش ملاك الموت، وترك الثعلب يمضي.
لكن الديب الذي خبر لعبة الثعلب نجح أيضا في التهرب، وفي نهاية السنة بعد أن أحصى الحوت (ملك البحر) جميع الحيوانات افتقد الثعلب والديب، وأرسل الحوت رسله ليكتشف كيف هربا من مملكته، وعندما سمع بخبث الثعلب رغب في أن يلتهم قلبه لكي يزداد ذكاؤه وحيلته، وأرسل عديدا من الأسماك ليحضروا له الحيوان الماهر، وعندما وجد السمك الثعلب بجانب البحر، أخبروه أن الحوت قد مات، وأنه سينصب ملكا بدلا منه، فامتطى الثعلب ظهر إحدى الأسماك وحمل إلى داخل البحر، وفي داخل البحر ارتبك، فسأل الأسماك عن حقيقة ما يحدث، فقالت إحدى الأسماك إن الحوت حاقد على ما يتمتع به من دهاء، وإنه يرغب في التهام قلبه ليصبح أكثر دهاء منه، وهنا أجاب الثعلب بأنه كان من الواجب تذكيره مبكرا؛ لأن الثعالب عادة تترك قلوبها في منازلها قبل خروجها.