وحدث حلف قبائلي بين الكلدانيين والآراميين شمال الفرات، إلى أن عاد فهزمهم آشور
6
بانيبال في 663، واستمرت الحروب بينهما متواصلة إلى أن أنهى سوسة في 639 آشور بانيبال، وبسقوط آشور ظهرت قوتهم من جديد على يد قورش
Cyaxares
إلى أن لاحت قوة البارسيين الذين هاجروا إلى إيران في 640، ففي 615 هاجم قورش نيمرود وهاران، وهزمهم في 610، فأنهى الآشوريين في آسيا الصغرى، ودخل أحفاده مصر وإسبرطة في 547، ونصب داريوس الأول خليفة له على حكم مصر. •••
فيبدو أن تملك الآريين لإيران وقع منذ فترات موغلة في القدم، ويعتقد أنهم جاءوا من القوقاز وشمال سيبريا وروسيا وأوروبا والهند، فيؤرخ البعض لهذه الهجرات الآرية بما قبل الألف الرابعة قبل الميلاد، حين تملكت القبائل القادمة من أواسط آسيا هضبة إيران، وتملك الخوارزميون ما حول نهر بلخ، ومن أسماء هذه القبائل الآرية: قبائل الميديين والفارسيين والبارزيين والإيرانيين، والأخيرين تجاوزوا إيران إلى القوقاز، وإن كانوا أول من نزلوا بلاد إيران وأعطوها اسمها، وكانوا أول من أرسى الحضارة الفارسية القديمة التي أثرت بدورها في حضارات العالم القديم، خاصة ما يجاورها من حضارات الشرق الأدنى أو العالم العربي.
فلقد كان الفرس، منذ اتصالهم المبكر بالساميين الشماليين، حلقة اتصال لا تنضب في تسريب التراث اللاهوتي والعقائدي الآري - خاصة الهندي - إلى الأقوام السامية، ومن بينها الثنائية التي ميزت التراث الإيراني المجوسي، ومن بينها اعتقاداتهم الدهرية القدرية التي واصلت ازدهارها بشكل واسع متواصل عند أغلب الفرق والأقوام والنحل العربية السامية، خاصة القبائل العربية في اليمن والجنوب العربي، والتي وصلت إلى أقصى مداها عند العرب الجاهليين، وواصلت توارثها إلى أن أصبحت الملمح الجوهري الأول للتراث العربي.
ولقد تعامل الساميون الأوائل مع الفرس على اعتبار أنهم أهل كتاب، وأن لهم دينا سماويا، مثلهم في هذا مثل اليهود العبريين، نسبة إلى ديانتهم الزرادشتية التي تنسب إلى مؤسسها الحكيم الخرافي زرادشت، وتقول بقدم الأصلين: الخير والشر، أو النور والظلام، فنسبوا للخير «أهورامزدا» أو هرمس كل ما هو خير، واعتبروه إله السماء واهب النور والظلام، على عكس غريمه «أهرمن» الذي وحدوه بالظلام، فهو الشيطان أصل الشرور والآثام.
وجمع زرادشت شعائره وأساطيره في كتاب يعرف بالأفستا، وهي كلمة آرية مرادفة للمعارف، وهي فعلا مجموعة معارف طقوسية وبقايا أساطير آرية، جمعها تلاميذ زرادشت منذ منتصف القرن السابع قبل الميلاد، محتوية على بقايا معبوداتهم البدائية الطوطمية لمظاهر الطبيعة، مثل النور والمطر، فقسموا مظاهر الطبيعة إلى أشياء تحتوي على قوى خيرة، مثل ضوء النهار وبعض فصول السنة المعتدلة مثل الربيع والخصب والحنين إلى الخلود عن طريق التطهر، وأخرى تتصل بالظلام والجفاف والقحط والقبح والنكبات، نسبوها إلى الشر الذي هو الشيطان أهرمن.
ويقال إن ألافستا كانت تحتوي على واحد وعشرين جزءا، ضاع مجملها ولم يتبق إلا ما حفظ في الأدعية والشعائر الدينية والأناشيد الطقوسية.
فالعلاقة بين الفرس والساميين ترجع إلى فترات بعيدة، فينسب التاريخ الأسطوري للملك بيوراسف الذي تعارف عليه العرب ولقبوه بالضحاك بن علوان الحميري،
7
الذي سار إليهم من اليمن وهزم ملكهم «جمشيد ونشره بالمنشار نصفين».
ويقال إن الضحاك الحميري هذا تملك على إيران في 2800ق.م، وكان عامله على بابل نمرود بن كوش، الذي في زمنه حدثت هجرة قبائل إبراهيم الخليل من أور الكلدانيين إلى حران والشام وأرض فلسطين بسكانها الفلسطينيين وطلائعهم البحرية؛ حيث كانوا من أقدم شعوب العالم القديم اقتحاما للبحار والمحيطات.