واجه إطلال التمثال المرمري المتقوس إلى أن وجد نفسه داخل مجاله، كتله المتناثرة، أقدام حصان، أعالي كتف، كفة يده، منشة، مشعل روماني الطراز والزوايا، عين.
قاوم نوبة نحيبه الليلي، رغم شاعرية المكان الذي كان يهدر في وضح النهار بالناس والميليشيات، في أعقاب المرأة المحرضة على سد المنافذ.
كان ملتقى الشوارع ومداخلها يشيع فيها الصمت المتوجس، برغم الهدنة الملفقة للمتناحرين، وضوء القمر المكتمل بإشعاعه الرمادي الفضي المتمدد على البنايات المحيطة في استرخاء.
ربط بين المكان وبين معمارية وميتافيزقية دي شيركو، معابد ومصحات وقصور ومحاكم وأبنية أريكايك، تحوي تماثيل هلينية وأيونية وأثروسكية معظمها أقرب إلى التهاوي ... التحلل.
وعادة ما يتسلط جاثما على هذا العالم الحلمي الكابوسي خراج جلدي دامي الاحمرار، يتمدد قانيا من إحدى زوايا مقدمة اللوحة كحبل مشنوق.
قضم ساندوتش السجق مستعينا على دهونه بجريدة النهار المنصرم.
استعاد نفسه ... مظهره، حين كان يركض غير فزع على رأس ركب وفي مؤخرته، منفلتا في حنكته من تلك القبضة - القفازية - التي لامست كتفه الأيسر، إلا أنه انفلت مطلقا ساقيه للريح بشكل أدهش الجميع، خاصة حين تحول ركضه إلى نوع من التزلق الدافع إلى المقدمة، دون أخطاء كثيرة مفضية إلى الاصطدامات والإيقاع بالآخرين، يده على شنبر منظاره، والأخرى قابضة على الجريدة التي بداخلها سندوتش السجق الزيتي، لا تلين.
قام من فوره ملقيا ببقايا أكله، منحدرا نازلا عن الأحجار، مجهدا ومجاهدا في تذكر أقرب الطرق إلى حيث مسكن الفتاتين، متحسسا في لهفة من تذكر شيئا يهمه، إن لم يكن اليوم فغدا، تحسس عنوان فتاة الجنوب القصيرة المهجرة التي التقى بها في الملهى القبرصي.
| الفصل السابع
ما إن دق جرس الباب - وكان له صوت الصلاصل اليونانية والإيجية الشعبية - حتى أحس المهاجر من فوره بالإظلام الذي عم عين الباب السحرية، وسط ظلام الطرقة المديدة الموحشة.
تسمر في مواجهة العين محاولا الابتسام غير البعيد عن التوسل فترة طالت إلى حد أنه عاد يجاهد في أن يتعرف الوقت في ساعته الفسفورية، وهاله أنها تقارب الرابعة صباحا.
أعاد طرق الجرس ووصله همس طويل مصحوب بحدة تمادت إلى حد العنف والضراوة، تبعتها صرخات الاستغاثة المكتومة التي سرعان ما خالطها صدى أشياء تتهشم وتوجعات انتهت إلى الضراعة الكاملة، والعواء المفضي في كل الحالات إلى الصمت المطبق.
فتح الباب كمثل شق ضنين عن جسد الأخت الصغرى الجهمة، بينما اندفعت الأخرى الأقل حجما تتوارى هنا وهناك، مطلة برأسها الصغير الدقيق المكفهر من تحت الكنب، وأغطيته، نافذة كمثل جرذ بشري إلى ما خلف ستائر الشرفة الزيتية، مطلة بعينيها الخرزيتين التركوازيتين.
أشارت له العالية بالدخول وهي تجذبه بامتهان جلي من كتفه الأيسر: ادخل.
تحاشى نظراتها وتحرشها الاصطناعي، وهي الفتاة الصغرى التي لا يخلو مظهرها وسلوكها اليومي في وضح النهار من الحياء والتناسق، أما الآن على هذا النحو الضاري.
تحاشى من فوره عينيها، وأفخاذها السمراء الوردية المتناسقة وهي تضع - بتحد تبدى في عيني الأخت الكبرى الضئيلة التي كانت لحظتها منكمشة في افتعال واضح، إلى جانب انثناءة جدار بالقرب من ألسنة النيران - نيران الفحم المتوقدة داخل الموقد المرتفع النحاسي.
شغل نفسه عن عينيها وفخذيها باسترجاع بضعة مشاهد، قراءات، ذكريات لها مستودعها، منها: كيف أخذ القديس مكان الأسير في السفينة، والسيد مكان اللصين المغمغمين الفاهمين. «خلص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها».
ومنها: ظهر مدير البرق ماشيا بين أحواض زهوره المستأنسة في بطء شديد، إلى حد إيقاع الضحية استكانتها.
مضى من فوره مسلما على الأخت الكبرى، الأقل حجما، التي سرعان ما استعادت توازنها، ابتسامتها البريئة متقدمة منه في ترحيب بالغ، في ذات اللحظة التي عادت فيها العالية إلى حيث كانت تجلس على كرسي أو «بوف» واطئ إلى جانب مدفئة نحاسية هائلة الحجم تغلي بنيران الفحم وعليها آنية القهوة.