تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عرف من فوره وهو يجفف عرقه بمنديله أن الحانة يونانية، وبخاصة حين قدم له الساقي كوب ماء مثلج، فطالبه بمشروبه معتدلا وهو يعيد التطلع إلى المكان:

روم.

كانت الجدران مغطاة بورق حائط له ملمس القطيفة السوداء والحمراء القانية، وحتى طريقة استخدام الورود الصناعية والصحراوية والمحنطة جاءت متناسقة، مع إضاءات الشمعدانات الكهربائية ذات الأفرع الثمانية، وعلى طول المكان وقاعاته المتعرجة انتشرت مرايا طولية مقعرة ومحدبة.

ولما كان المساء قد بدأ يحط مع ارتشاف المهاجر لقدحه الثالث، بدأت وفود الزبائن تتوافر في جماعات، صبيان وفتيات في سن متقاربة جميعهم، وبعضهن سال لعابه من منظر دمى صقلية الزائرة هذه الليلة.

ومن المطبخ انتشرت أبخرة الأطعمة الشعبية، من إسباجيتي لسندوتشات اللحم بالعجين والنقانق والشواء.

وتسمر واقفا من فوره حين شاهدها داخلة في أعقاب شلة شباب، وتلاقت عيونهما الأربع.

قال: أيمكن أن يحدث أن أخلفها هناك في شوارع شبرا المظلات؛ لتدخل على هذا النحو.

اندفع ناحيتها من فوره معترضا سائلا، مشيرا إلى الشارع خارج الحانة القبرصية: عملوا إيه؟ - مين. - في الخارج.

تأملته مليا هي ذات العيون المطلة من تحت الجبهة المدفونة دفنا تحت الشعر.

قال: الفارين.

تعالت الضحكات المربكة من جوانب عدة، فانسحب من فوره عائدا معتذرا لها، منحطا على طاولته.

اتخذ أفراد الفرقة الموسيقية أماكنهم، وتعالت الموسيقى المحمومة الراقصة، وعلى الفور ازدحمت الحلبة بالراقصين من الشباب وبضع عواجيز.

وحين تغيرت الإضاءة فأصبحت أكثر سطوعا، آلمه سوء حظه، في ذات اللحظة المكفهرة التي طالع فيها استطالة وجهه في مرآة الباب المواجه المحدبة، على ما كان يغرقه ويتملكه في نحت البرتوجياكوميتي.

بدا وجهه شاهق الاستطالة، أضفت عليه المرآة ساحات وهالات من المساحيق اللونية البلورية، فتبدت له جبهته مطبقة على حاجبيه اللاكثيفين، وجلد وجهه المشدود المجفف. أما أنفه فواصل استطالته بدءا من رأس تلك المرآة النافذة اللعينة حتى ما بعد منتصفها ، وبين وقت وآخر تطغى صور الحشد المتزايد من الراقصين والراقصات، وعبور السقاة في صعوبة شديدة، بأيديهم صواني الطعام والمشهيات على صورته، فتريحه من المدى المفصح المشوه الذي تضفيه المرآة الهازلة.

تذكر المرآة المحرضة وربط بينها وبين المرأة، تعتلي التمثال المتهشم تحت قدميها الحافيتين بيدها مشعلها.

وطالعه وجه الفتاة التي سألها منذ هنيهة على الطاولة المقابلة تجلس مع أصدقائها كمن تجاهد في أن تراه، وترى المرآة من خلفها فترة.

عم الضحك لفترة قصيرة، وجاء صوت المغنية المرحة اليونانية أجش إلى حد مؤلم: «قطعني حتت وارميني في الزيت.»

قدمت إليه الفتاة، فقام وأجلسها، حين أشعلت لفافة وسألته عما كان يسأل.

حاول أن يميل عليها بجذعه الأعلى، مكملا مضغ طعامه ومزته الخضراء: برا ... كتير ... كانوا ينجروا ... الشارع ورانا ... وقدام.

ويبدو أن الفتاة لم تفهم شيئا، سوى كلمة «إسرائيل»، ذلك أنها اندفعت بدورها تحكي لي عن بلدتهم الجبلية «راشيا الفخار» حين ربط بينها وبين فخار الإقليم الأرسينوي، دون أن يسمع منها كلمة واحدة صحيحة؛ نظرا لصعوبة تفهمه للهجتها الجنوبية، وعواء الآلات النحاسية، والمغنية نصف الصلعاء، والضحكات المدوية، ونيران المحاور، مما شجعه أكثر على حل وثاق لسانه بالخمر حين قال: أجمع حكايات حواديت، ما يلوكه الناس، الجدات النينات.

قالت: الناس.

قال بتراخ: الناس، الرمم.

| الفصل السادس

حين تلقفه الشارع البارد، ظل يغمغم لنفسه بصوت شبه مسموع: المعضوض يعض.

تذكر خرافة معاصرة عن الدراكولا، ربط بينها وبين العدوان المتربص يدق الأبواب الصهيونية دون أن يعرف لهذا سببا.

ظل يتقدم في اتجاه البناية حيث الفتاتين وكتبه، حاجياته، مرددا ميلوديته الكئيبة هذه، عن جدلية المهان المضطهد.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٨