لكم وفق سارتر في مأثوره الملخص عن جحيم الآخرة، الابنة، الحبيب.
تعرف من فوره، حين نزع - بريهه - الأسود عن شعره وصلعته، أن كلتا الأختين تضيق بوجود الأخرى، إلى حد الكره.
وتذكر بالدقة أنه هو بذاته ما يجاهد في البحث عنه، بدءا من عمله - وكاره - ومهنته، وهو حقل حكاياته وطرائفها: الكره.
ذلك الذي يحاول الجميع تجنبه والإفلات من قبضته الماثلتين على الدوام ممزوجا في حنكة بنقيضه وتوءمه، من حب وتدله.
وهو ما أغفلته النصوص القديمة التي خلفها الموتى من الأسلاف والجدود، في ثنايا وصاياهم وتمائمهم المقدسة والمحظورة، ذلك أن الحديث عن نقيضه أنساهم واقعة الماثل المتواجد، سواء في ثنايا ذلك النقيض الوله يبطنه متدثرا، ويخالطه مخالطة التنفس.
إنه الشهيق الزفير
الخارج المنسل
عبر عمليات التلوث
عبر اللحظة
طرفة العين
ودقة ساعد
الناس هنا تحت الشرفة
في الشوارع ونواصيها
أين موتانا؟
قتلانا؟
أين؟
تساءل حين أخرجه من غفوته على حافة الفراش صوت الأخرى العظيمة الكبرى الطفولي: أحسن حاجة في الدنيا الحب. - لماذا يكرهها؟
صحيح أنه لا يعرف كلتا الأختين بالقدر الكافي، ورغم أنها فتحت له بابها في الساعة الثالثة ليلا وأخذت عنه أغراضه، حين لم يجد صديقه، لمجرد المعرفة العابرة للجيرة، إلا أنه يبدو غارقا في حرجه، إفلاته اللامجدي من قبضة تواجدها.
قالت: أخذوا كل شيء، الأم والأب ماتوا، والضيعة نهبت، حرتوا أرضها بالشاحنات والدبابات، قطعوا كل أشجار الحديقة، شجرتي وشجرة عالية، فاكهة من كل الأصناف، زهوري ... أحواضي.
مالت عليه مسرعة لاكرة، مشيرة إلى حجرة عالية التي كانت وقتها تسعل في عنف متلاحق عالي الصوت: أطلقوا النار على الوالد، والد عالية، في حديقة بيتنا الجبلي، من ثلاث جهات متقاربة.
صنعت بمعصميها العظميتين هيئة مثلث متساوي الأضلاع أطلت منه بوجهها فترة في مواجهته.
تعالى سعال العالية بشكل مجهد، وجاهد هو في ألا تعاوده الحالة. هب واقفا مزيحا الستارة عن الشرفة الزجاجية معاتبا.
المدينة كانت قد بدأت يقظتها، دويها اليومي مع مطلع ضوء النهار البيروتي، والحرب الأهلية العنصرية تعتصر رحيق أناسها وشوارعها.
ها هو الشارع في بيروت.
سعال صغرى الفتاتين لا ينقطع، بينما الأخرى تعدد مصائب بيتهم الريفي وضيعتهم الجبلية ذات الفردوس الصغير المفتقد الذي كان.
وتصور المشهد عبر أسطح العمارات الممتدة من حوله، العالية بجدائلها السوداء تقف في شرفتها مطلة على الوالد الهرم، مفتش البريد والبرق العتيد بسترته الداكنة وحقيبة يده الجلدية خارجا عبر طرقة حديقته المتعرجة، ومثلت الجنود الفاشست يطبقون عليه من أضلعه العدة مطلقين النيران في لحظة متقاربة.
الأب يسقط على وجهه في طين حوض زهور البنفسج، ومن حقيبته تتناثر الخطابات.
العالية تلطم وتسعل بشدة بلا صوت.
ولم يكن هناك بد من الخروج.
عاد المهاجر متخليا عن الشرفة، باحثا عن معطفه الجبردين إلى داخل الشقة.
وحين غطس بوجهه الطويل الضامر العظمي في ماء حوض غسيل الحمام الدافئ قال: تكفي مرة واحدة، حاله، البكاء ليلا، يكفي ما جرى، لولا ذلك الصول المكرش السمين، تذكر تعبيرات وجه، انكماشه بعيدا بحذاء الجدار المشاد من الآجر الأحمر، ويبدو أنه غطى جانب وجهه الملحم بقبضتيه يرقبه عبر أصابعه، بنفس ما فعلته الأخت الكبرى ... الماجدة، منذ هنيهة، حين أطلت عليه من مثلث ساعديها الصفراويين، وهي تصف الطريقة.
أزاح الصابون عن عينيه، فالشمالية تعاني آثار رمد قديم: حين أحاطت شلة الجند بالوالد في حديقة البيت، ودوت الطلقات، وسقط مدير البوستة، غاص وجهه بلا تعبير في طين حوض الورد ورغامه.
| الفصل الخامس
عانى المهاجر حين اندفع خارجا من باب الأسانسير، ومدخل البناية الداخلي المطوق والمتعانق بجذع شجرة عنب عملاقة مجففة، ماتت منذ زمن.