أينما وجد الناس تستعر النيران على كل المحاور.
كان قد خلفها في القاهرة، لتطالعه هنا في بيروت هي هي ، فلعله ذات الوهج، درجات التوتر، لزوجة الجلد الأصفر، الافتقاد داخل غابات المدن المعنية المحاصرة بالخوف والتربص، والتي تتحين في كل لحظاتها الغوص العمودي، الاختباء المصاحب للطرد، فهي في كل حالاتها وتواجدها طريدة، لا مكان لها في فلك القدماء ولا العائشين. إنها هي بعينها سليلة ذلك الحيوان أو الابن النوحي الطريد، لا مكان.
أجل هي حيوان الماموث الجليدي القطبي، الضال في طوفانات الحشرات وزواحف الأرض التي تفيض في سردها الحكايات القديمة، الغرق المحقق للابن أو الابنة الضالة ... الخوارج.
المدن.
الضواري.
ولعلهم يتواجدون بكثرة حتى هنا، إنهم يتكاثرون بمعدلات أكبر بالطبع سنة أو محنة عقب أخرى، وهم كانوا سببا دائما لهجرته ... شتاتاته، رغم انقطاع كل صلة يمكن أن تقربه من طرقهم، مقاهيهم، أفكارهم الموصلة إلى حد التدمير.
قال: لعله الموسى.
تحسس جيبه الخلفي منزعجا، في لحظة مشابهة لتلك التي أحاطت به فيها جند الملك سمر الوجوه والقفيان، وتذكر أنهم أخذوه.
| الفصل الرابع
ما إن دق جرس الباب وفتحت له صاحبة المنزل وهي تلقي على وجهها الناحل العظمى الأصفر بمنشفة قطنية، متراجعة هلعة من منظره، بمنظاره وقامته العظيمة التي بدت مفرطة الطول في مواجهتها، مثقل تحت حقيبتيه الجلديتين وكيس ملابسه المنزلية.
ساعدته في إدخال حاجياته وهي تجاهد في تذكر اسمه، وقامت بدورها أختها هلعة من فراشها رغم النيران المستعرة على المحاور.
أزالوا بقايا المياه والجليد المتساقط من على معطفه وتحلقوا حول الفراش من فورهم يرتشفون الشاي، وحكى لهم في ملل قصير ما حدث، وعم صمت مفتعل اندفع المهاجر خلاله يحاسب نفسه، فلعله أيضا ذات الجو، ذلك الحزن الدفين الرابض في أعماق الفتاتين، وهو بدوره معهم، لماذا هو في كل حالاته، تذكر على الفور السور الطيني الممتد على طول مرمى البصر ومن داخله تمتد أشجار الكافور والسنط وذقن الباشا، للمقابر الممتدة في مواجهة شباك بيتهم الريفي، ولا ينقطع، لجنازات النساء المتشحات بالسواد، والنيلة التركوازية والزرقاء ضاربة القتامة تلطخ وجوههن وسواعدهن وهن يندبن، وينحن، ويرقصن في حلقات. وفي حالة نادرة، حين يكون الميت من «أسرة » وهو صبي صغير، لم يتزوج بعد - ويدخل دنيا - تستخدم الجنازات الدفوف الواسعة العنيفة.
بينما تستخدم جنازات الرجال المصاحبة المشيعة لنعش الميت فرق المزيكة الشعبية التي تستقدم من المدينة القريبة بكامل أزيائها الفرايحي الأوكر، وطرابيشهم الحمراء، وآلاتهم النحاسية تدق أمام المرحوم العازب، وكورس دلائل الخيرات ينشدون بأصواتهم الباص والباريتون، متبوعين بجوقات النساء.
كل هذا من أمام شباك بيتهم، وهو لا يزال يعتلي كتف أمه، يشهده يوميا عشرات المرات.
قال حين سألته كبراهن عن شروده وهي تميل عليه لتعطيه قطعة من البسكوت المجفف ألقى بها على الكنبة: تذكرت الحزن في مصر.
قامت صغراهن وكان لها وجه فينيقي ينحو إلى الاستطالة، وشعر أسود طويل مسترسل، وكانت تمقت المهاجر، تثاءبت طويلا وهي تطوق رأسها بمرفقيها، بيدها كتاب لمح عنوانه «الشقيقات الثلاث»: عن إذنكم.
تذكر تشيكوف، ذلك الأسى المقطر داخل المنازل، شقق عواصم المدن المحتدمة بالنار والتربص.
الناس حين تتبادل الأحاديث بلا طعم، أهمية، انتباه، في الشرفات، ومن حول المدافئ وألسنة اللهب.
حين يرتشفون الشاي، ويعانون من كره بعضهم البعض، الأم وابنتها وشقيقتها، الأم وأبناؤها الذكور والإناث، حيوانات البيت الأليفة، برامج أجهزة البث والتوتر.
قال: لعله شيء أو احتياج ضروري تعرفه بكثرة، وضوح أكثر في زنازين المنافي وقلاياتها على مدى الثلاثين عاما الماضية.