تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان قد انفصل عن العريض وفتاتيه الفلسطينيتين متخذا خطاه وحده باتجاه المستشفى.

ألقى السلام على الجرحى وأهاليهم وصافح أحدهم مندفعا صاعدا السلالم المفضية إلى داخل عنبر الجرحى.

وما إن التقيا حتى أسرعت إليه ملقية بنفسها بين ذراعيه على مرأى من الجرحى والمصابين الذين ركزوا أبصارهم الكليلة عليها. - ماذا يحدث؟

أزاحت قناعها عن وجهها النضر المبتسم: لماذا جئت؟

أفضى إليها بما يختنق به هذه الليلة: هذه الليلة الليلاء؛ دعيني أتأملك.

قدمت الفتاتان مسلمتين عليها، وفي أعقابها العريض. - ما الأخبار؟ - يزحفون أكثر باتجاه بيروت بمدرعاتهم ودباباتهم.

صرخ أحد المقاتلين الجرحى دفعة واحدة على صوته من خلفهم: تعالوا.

وبدا كما لو كان يهب لتوه من نومه، أو يجاهد في أن يهب واقفا باحثا عن سلاحه: خونة.

انسلت هي من بينهم منزلة من جديد قناعها على وجهها جارية إليه مسندة مهدئة، معبرة بذراعيها المفتوحتين، وصدرها الرحب العريض، وإيماءاتها بكاملها، خاصة تللك الابتسامة الحانية التي كانت تفتق الخباء أو القناع عن وجهها.

أخذته في صدرها ضامة معيدة رأسه المقاتل الشبل على نهديها الحانيين إلى وسادته؛ ليعاود النوم من فوره كمثل طفل بين ذراعي أمه: بيتقدموا صوبنا.

صرخ العريض بدوره مهتاجا وهو يتراجع عن الشرفة المطلة على التلال القريبة، كان المساء قد بدأ يحط جاثما: العدو يزحف ... يقترب.

سمعت الطلقات المدوية تجيء من كل الاتجاهات الأربعة المسورة للمخيم فترة.

وبدا الترقب الشديد على وجوه الجرحى والمصابين الذين قاموا جميعهم عن مضاجعهم في تحفز، بل إن البعض منهم تحامل ممسكا بسلاحه.

انفتح الباب على مصراعيه؛ حيث قدم أهالي المصابين وذووهم، فلم يعرف من يحتمي بالآخر، سوى أن الأمهات قاربت أكثر أبنائهن وبناتهن. - مهرب ... مغيث.

النيران القريبة تواصل حصارها حيث تساقطت المباني، وارتفعت الحرائق، والتهب الجو بكامله، فتحول الفراغ إلى كتلة متوهجة من نار تسد كل منفذ وأفق.

قاربته أكثر وهو يتداخل في الأجساد المندفعة التي راحت تتقارب وتتلاصق، حتى إن الجرحى قاموا بدورهم عن سرائرهم، وتلاصقت الأجساد أكثر فأكثر، إلى أن أصبحت كتلة واحدة قابلة على الدوام للاستزادة بقدوم بقية المرضى والممرضين والأطباء.

وتحول الليل إلى نهار بفعل القنابل الفسفورية التي تفجرت في السماء كاشفة كل أرجاء المعسكر وتفاصيله، بل إن تفاصيل الجنود المعتدين بآلات حربهم التي تبدت أكثر شيطانية ووضوحا وهم ينسفون البنايات المحيطة التي نزل عنها سكانها، متلاصقين على ذات النحو، كمثل جسد واحد يتعذر انفكاكه لحين أن تحصدهم النيران، فيسقطوا على ذات الوضع المتلاحم كتلة صماء واحدة ... جثة.

حاول محمود العريض وهو يتداخل أكثر في الفتاتين وبقية الموجودين التنبيه لما يحدث، صوت مكبرات الصوت العالية التي لا يصل صوتها بفعل القذف المتواصل والانفجارات وصرخات أهالي المخيم، الذي تحول بكامله إلى كتلة من النيران الزاحفة دون أن يسمع شيئا.

كان المعتدون يصعدون البنايات المحيطة والمواجهة، بأيديهم مدافعهم وقنابلهم، بل وسيوفهم وخناجرهم التي تقطر دما، بفعل وهج القنابل الفسفورية: مذبحة.

أحاط بالمستشفى كتيبة كاملة من الجنود، وبدوا وهم أكثر قربا مقنعين، لا يبين من وجوههم المتحفزة للقتل والتمثيل بالجثث لتغيب ملامحها سوى عيونهم الغريبة الملونة.

صرخ أحدهم بالعربية: العواجيز هنا.

هنا اندفع الجميع جريا ينزلون السلالم، إلا أن بقية الجنود المهاجمين تفرسوهم مسرعين، معيدين الجميع، فيما عداه «المهاجر»، وفي أثره العريض الذي بدا للحظة مهدما لا يقوى على الوقوف.

وقبل أن يستدير المهاجر كانت النيران قد حصدت الجميع من ثلاثة اتجاهات، حيث سقطوا من أعلى السلالم كتلة واحدة.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٤١