تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين بادرته سيدة أنيقة بالسؤال عن الحل الذي يبحث عنه الجميع في عيون بعضهم البعض، أجاب من فوره: بالطبع، كل تصور فيه نفي الموجود الطافح وهدمه.

اعتدل معتذرا في أدب القرود: التحليل الجدلي إمكانية توجيه العمل الثوري توجيها سليما.

واجهته السيدة المهندمة في حدة وهي تشير له بإصبعها في شبه اتهام: أنا أعني الحل لما نحن فيه الآن في الواقع.

غمغم بذات الأدب والصوت الخفيض قال: أجل، الواقع كبناء من المتناقضات.

أدارت له السيدة ظهرها، وكان قد انسحب الجميع، دخل مكفهرا إلى داخل قاعة الاجتماعات.

| الفصل العاشر

بدا أن الرئيس ونائبته، إنما يتحرشان به، راوده هذا حين كان مأخوذا يدون إحدى الملاحظات عقب تعليق موجز أدلت به زميلة باحثة فنلندية في موضوع، أو حقل الحزازير والفوازير، مما أربكه إلى حد متابعتها في عداء.

لكن ما إن التقت صدفة عيناه بعيني الرئيس ونائبته متقاربي الرأسين، وعيونهما الأربع تحط عليه، واهتزازة الرئيس إياها، التي دفعت ذات مرة بما كتب المغتال لأن يفض اجتماعه الوزاري رافعا رأسه عاليا إلى حيث الكوة النارية في أعلى سقف البهو الملكي، ومنها يطل شبح رأس الملك الشرعي الذبيح صارخا بعلو صوته: لا تهز جدائلك الدامية.

لماذا يرقبانني على هذا النحو كما لو كنت المتهم الوحيد في هذا الحشد القفصي؟

انكب المهاجر من جديد وقد اختلج تنفسه قائلا: الأمر لا يحتاج. ثلاث جلسات أرفع فيها إصبعي بأدب، ثم يدي فذراعي المشمر بكامله في طلب الكلمة، أية كلمة، وجهة نظر.

رفع ذراعه عاليا، بل هو قام واقفا احتجاجا على مرأى من كل المؤتمرين، فنقر الرئيس على طاولته بخنجر نحاسي أعد لتقطيع الورق، ودون أن يومئ إليه مباشرة.

جلس في مكانه، دون أن يلحظه أحد.

وارتفع صوت باحثة «حزر فزر»، فطغى على تساؤلات الحضور من الباحثين والصحفيين والمراقبين.

راحت الفنلندية الفاتنة تربط بين الحزازير والألغاز، وبين طاقات الذكاء الفطري لدى الأقدمين وورثتهم، فها هي ميكروفونات البث والتليفزيون الملون، يغرقوننا بفوازيرهم السخيفة خاصة مع تسالي رمضان، ثم ها هي الصحف السيارة لا تبعد بنا كثيرا عن ملغزات جلجاميش، في مواجهة الإله الأكبر، سائلا عن الموت قبل الحياة، متحديا ذلك الإله الأزلي الخالد: اشمعنى أنت اللي خالد؟!

وذلك بعد أن ظل ذلك البطل الإلهي «جلجاميش» في العالم السفلي اثنتي عشرة ساعة مضاعفة متجولا في الظلام الدامس، مقاوما النوم ستة أيام وسبع ليال، بحثا عن الخلود والتيقظ.

حتى إذا ما وصل إلى عتبات كبير الآلهة «أوتونبشتم»، متعرضا للكثير من امتحانات الذكاء والحزازير، منها وضع سبعة أرغفة على رأسه، «وأن يعجن الرغيف السابع، ويشكل السادس، ويبلل الخامس، ويترك الرابع يختمر، ويحمر الثالث، ويشوي الثاني، ويعد الأول للأكل وهو على رأسه»، غمغم متمخضا: تعطيل.

من جديد تمددت ذراعه بكاملها، ومن طرفها تتدلى أصابعه المفكوكة الخمس، في وجه الرئيس ونائبته، بينما التحدي الغشيم يطغى على ملامحه بوجهه الأقرب إلى محاولات النحت الحديث، ودأبه في تشكيل الفراغ بدلا من الكتلة وترهلها، تلك الاستطالات الغائرة، تلك العيون اليقظة الندبات، الأنف النحيف الدقيق الانسيابي الصقري، ثم ذلك الأسى المتمثل في زمة فمه، كمن يمسك عن القول: أجل الإفصاح، الجنب المريح الذي عليه ننام، نستريح، أن أعبر عن نفسي مثلكم، ألقي بدلوي، وجهة نظر.

تنبه ساحبا يده السائلة، معتدلا في كرسيه، مستديرا إلى حيث اليد التي امتدت من خلفه منبهة؛ ليجد نفسه وجها لوجه مع تلك الفتاة الجنوبية الحنونة الصغيرة، فتاة راشيا الفخار، التي مالت على أذنه اليسرى مسرة، كمن آلمها وضعه ذاك فوجدت له مخرجا هامسة: اكتب سؤالك وقدمه للرئيس.

شكرها حين انسحبت الفتاة مختفية في كواليس المؤتمر، وانكب مدونا:

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ١٥