أما الاكتئاب فيستبد بالأغلبية العظمى مثله، لعله حالة التحسر، حاول طردها من مخيلته حين غزته على مشارف تلال عمان، قال لنفسه محذرا وهو يصلح أو يدون بعض الملاحظات على مرأى من الجميع: غير معقول بحال، هنا وعلى مرأى من الجميع، خاصة أولئك الحاقدين المتربصين، هذا الحصار بالعيون والكاميرات. ليت الأمر يقصر أو يطول وينفض السامر الذي غاب عنه صاحبه، القرية والمدينة، ما الفرق في الشرق الأوسط، في عمان ودمشق والطائف وصهرجت الكبرى والكعاي والدامور والقاهرة وصنعاء ودير مواس؟ ما الفرق في هذا الشرق الأوسط؟
وحتى لو جاءت الطوبة في المعطوبة، وحدث الفرق، لن يصل الأمر إلى حد يدعو إلى الانزعاج، ذلك الذي يغمر الشارع ويطفح على طول الشرق الأوسط. وهنا الفرق حين يمكن طرح القضية من منطلق زمني بأكثر منه مكاني فراغي، طفح الماضي، وإغراق الحاضر العربي الماثل على اعتبار أن «الماضي يفسر الحاضر » إن لم يغرقه، عاليه قبل واطئه.
أجل أيها السادة، فالمدينة في الشرق الأوسط ما هي سوى صورة متطورة إن لم تكن معدلة من القرية والنجع والبادية، هكذا الحال مع عمان وبيروت وقرطاج وطرابلس والقاهرة.
هي هي بادية الجاهلية الأولى والثانية، ثمود وقراها الخمس، هكذا الحال في مخيمات الشارع.
حيث تباع الأطفال الرضع.
حسب المواصفات.
لون البشرة وخفة الدم.
ناهيك عن أسواق النخاسة المعاصرة.
اللحم الأبيض والخمري.
هنا على النواصي والسوبر ماركتس.
البوتيكات ومشارب الشاي.
المحاور.
دارت المناقشات بعمق، تساءل أكثر من باحث ومتخصص، وأثنى بعض المشاركين على توجهات الكلمة الافتتاحية وشجاعة الندوة لذاتها، المقامة تحت وابل قذائف حرب الشوارع والتهديدات المعادية بحثا عن حل، أين؟
شحذ ذهنه في محاولة للتكامل مع عقول كثيرة للخروج من المأزق، الغرق، رفع إصبعه طلبا للكلمة، ثم يده بكاملها، دون أن يسأل فيه أحد، واصل المحاولة ولم يستطع، ظل هكذا يطلب الكلمة دون أن يلفت نظرا، ما الخبر؟ الجميع يتكلمون في استطراد فيما عداه، لماذا هو وحده في كل حالاته؟ الجميع يلغطون، يتبادلون اللفائف والمداعبات، التواعد باللقاء، المراجع، الآراء المفيدة.
وحتى عندما رفعت الجلسة لتناول المرطبات والحلوى، وانتقل الجمع الحاشد في جماعات إلى حيث بوفيهات قاعة الطعام التالية، ظل هو يتحرك متعسرا، جامعا حاجياته، باحثا من تحت منظاره في تسلل عن شلة يأنس إليها دون أن يلفت نظرا، يتبادل معها حوارا، وجهة نظر لا غير، وكما لو أنه أحبط كلية في العثور على وجه أليف مرحب.
توجه من فوره إلى أقرب طاولة، فأعد لنفسه طبقا من الجاتوه وعصير الليمون.
قال: الليمون هو الحل للإفلات مما حدث، تلك القهوة المشئومة، استند بالجدار وحده وراح يتأمل الجمع الحاشد من حوله وأمامه، يرتشفون مشروباتهم، يدخنون في شره، يتبادلون النكات والمزاح، يسترجعون معلوماتهم مضيفين ومصححين آخر المعلومات، الإحصاءات، المناهج، الاتجاهات البنائية. أجل شتراوس ... ليفي.
حاول ثلاث مرات التقرب من مجموعاتهم دون جدوى. كانت الشلة أو الحلقة تتقارب في أشكال ثلاثية ورباعية، وفي معظم الأحايين ثنائية، رجل وامرأة لتدفع به خارج قطرها، في محاولة منه لتلافي الوضع بشكل رياضي، حيث عادة ما يدفع بعنقه النحيل الطيع من حيث التمدد، والعودة إلى التقلص والقصر في اتجاه ياقة قميصه والكرافتة متراجعا، مواصلا البحث بلا كلل عن موضع آخر في مناقشة يدلي فيها برأي؛ وجهة نظر.
على الإطلاق، ليس هذا أبدا هو الحل. أجل، ليس هذا هو المنطق الجدلي المفضي إلى حل لن يجيء أبدا ويكتمل إلا مع التشخيص وترصد الحالة، والتي لن تغدو أبدا، طفح الماضي إلى حد الإغراق للحاضر، ما نحن فيه. وليت الأمر بقاصر على الثقافة في الشرق الأوسط، لكنه يتمدد سرطانيا محتضنا الشارع والبيدر، ونقط التفتيش والكمائن، وحرس الحدود، التي عادة ما تتصدر لافتاتها الخطية الطرقات، ورءوس المسئولين، والجدران، ودورات المياه، وبيوت الراحة. «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة».