جاهد طويلا هذه المرة في منع نفسه من أن يجهش بالبكاء، حيث هو وحده بلا عين أو رقيب، سوى المرآة المؤسفة المحدقة تترصده من جوانبه العدة، كمثل شخص يقظ لم تلحقه قهوة العالية تكبرها: اشرب.
ها هو نهبا لأسره الاختياري يمزق جلد وجهه، بينما من المرآة تطل عليه في خرسها فتاة راشيا الفخار، الجنوب، بقميصها قاتم الزرقة، وحنانها الطافح تضع من فورها يدها على فمه كمن تمنعه من الصراخ، النحيب الليلي، الذي يلازمه منذ أن كان يحبو على أربع مثل دواب الأرض ... جرذانها.
في تلك الأيام الخوالي التي سبقت دخول الكهرباء وتوابعها من بوتاجاز وراديو، وتليفون وتليفزيون، وشاحنات وسيارات الميكروباس والتيوتا، وسخانات المياه والسيفونات.
اندفع يحبو عبر الحواري الموحلة والمتنزهات الغاصة بزهور عباد الشمس ونجيل الأرض البري، خلجان الضفادع، وفراشات ديدان القز، والحدآت العملاقة المهاجمة، سارقة الأطفال الرضع، كما تروي عنها آداب الكلام، القطط وولائمها المسحورة في أعياد اللحم، والضحايا في عالم الدواب وما تحت الأرض.
حاول تذكر واحدة دون جدوى، تذكر بدلا منها حكاية أنكيدو مع حيواناته البرية، تلك التي كان يعاشرها عند موارد المياه، إلى أن اقتنصته عاهرة أوروو حين كشفت له عن فرجها، مهبلها الصغير المكفهر؛ حيث كان يستبقي مع حيواناته من نمور وأيائل وحمير وحشية وحيات.
فكان أن ضاجعها سبعة أيام وست ليال، وحين عاد إلى حيواناته أدارت له ظهرها، وفرت هاربة منه، يا للإدانة!
قام من فوره متسندا فاتحا حقيبته الكبرى، ملقيا بكومات كراساته ونوته وأوراقه الصفراء، وهو يجرها جرا إلى حيث الطاولة الكبيرة التي أعدت للأكل والولائم، فأحالها إلى مكتب تعلوه أكوام الكتابات الخطية والمراجع الرثة، تحسس رأسه بين كفيه، مبعدا شبح ذلك الكابوس الليلي.
ابدأ بالتصنيف، هه، ها هي حكايات الجان المردة النداهات أم الشعور، أشباح ما تحت الأرض، أين؟ ومن عليها في كل شق ومكان، وأينما وجد حيز، تلك التي ما إن يواجهها الإنسي: اتشطر على من قتلك.
حتى تتوارى من فورها، إن لم تحترق بنيران أحقادها حيث هي.
ها هي حكايات الأشجار وأخشابها المقدسة من زان وجميز وعوسج، حين أرادت الأشجار يوما أن تولي عليها ملكا هو العوسج، الذي هدد من فوره بأن تخرج نيرانه لتحرق أرز لبنان. هه.
قال وهو ينحني هنا وهناك بشكل آلي، مغيرا من أوضاع أكوامه، كمن يفنط أوراق كتشينة: الحيوانات والطيور وزواحف الأرض المشئومة والنجسة لها خانتها في هذا الدرج، من كلاب وأتان وغربان وبوم وضباع وحيات زانية. - ثم يجيء الدور على حمامة الأيك والحمى، واليمامة ومدنها على طول جزيرة العرب العارية، والعنكبوت الذي له سورته (وليس صورته) كحيوان أو حشرة منقذة أن ضللت مغتالي الغار، غار حراء، وفوتت عليهم فرصة الاغتيال الجماعي. - دمه على الجميع.
قال: يبدو أن القتل البشع الممزق، كان من الميسر حدوثه في مكة وإتمامه بنجاح، لولا العنكبوت التلقائي المبادر.
قال: ويبدو أن الهدف لم يكن القتل لذاته بقدر ما هو تغيير مسار الأسطورة البدوية، لولا ذلك العنكبوت الدينامي المناور لتغير كل شيء، كل شيء.
تذكر كومة لعب الأطفال، فعزلها مبعدا: كوك كوك، إنتو نصارى والا يهود.
ترنم: أنا الغراب النوحي.
أخطب وأروح على سطوحي
وأعجبته فابيولات صديق الفلاح المصري، أيبس أو أبو قردان، ذلك الذي ينسب له أنه عيط عيطة شق الحيطة.
قتل ولاده وقعد مسكين.
ساعتها كانت قد غزته النوبة، التي عادة ما يسبقها السعال، وجاءته منكفئا على أكوام أوراقه، فراح يزيحها بذراعيه المشمرتين بعيدا، وآلمه أكثر أنه عاد فهدم جهده المرهق، تصنيفه، مرة أخرى يختلط الحابل بالنابل، والغلة بالغلث، سعل قائلا: الغلث.