قال: العالية تسقط في النار.
تلقفته الشوارع المجنونة بالجري ونيران المحاور، الجموع المتدفقة حول أفران الخبز والبوتيكات، والمرأة الضخمة الجثة على رأس ميليشياتها، تعتلي البنايات مطالبة بتضييق الخناق للتنفس.
اتخذ من فوره تاكسيا إلى أقرب شقة مفروشة، أشار عليه السائق بها.
بناية بيزنطية الطراز والمعمار غاب عنها طلاؤها، تقبع بأسوارها المتعالية كمثل حصن خربه أعداؤه يتصدر إحدى جادات بيروت وحواريها.
غمغم من فوره حين تمدد على فراشه الجديد بملابسه: تسقط في النار.
مضى يتقلب في فراشه، محاذرا ألا تعاوده الحالة، حاول إدخال البهجة إلى نفسه مغمغما: «عش في خط» الموت كمدا على كل فراش، كنبة، صوفة، سجادة، أدبخانة ... أدب خانة، ما الفرق؟
تذكر مخلوقاته الحبيسة التي كانت داخل حقيبته الكبرى: من شطار، ولصوص مهرة، وأفاقين، وسائلين لهم هيئة آلهة قمم أشجار الأرز والبكاء المتسامقة. «عندما تسمع صوت أقدام في رءوس أشجار البكاء».
ربط بين أشجار البكاء المتسامقة العلو، وبين مقولة رابين الشهيرة خلال عدوان 67 لطياري جيش الدفاع الإسرائيلي: تذكروا أن إسرائيل كانت على طول تاريخها تنفذ من السماء.
غمغم: لعله يهوه الطائر المحارب.
وتذكر حكاية ذلك الرجل الأبله الذي أمسك بعندليب بشري ينطق بالحكمة، فسخر الطائر الأخرس، محلقا في انتصار من على رأسه ريشة.
قردة بالنهار يأخذن في التحول والتبدي إلى فتيات فاتنات مع غياب الشمس ودخوله الليل الفطيس، يعجن العجين، ويخبزن ويطعمن حيوانات البيت الأليفة أو الجبانة.
ملوك تهتك عروشهم، حللهم الملكية جلودهم في مواجهة رعاياهم خصيانهم، ويتسمون في اليمن الغابر بمزيقيا.
بهائم ترعى في الجدب وتراب الأرض بدلا من المراعي المزهرة المحيطة الفارغة، حتى لا تسمن وتشبع فتشطح ناطحة أصحابها؛ حكامها السلطويين الخونة.
هداهد وطواويس متلصصة كمثل شرطة القمع والمباحث، الناس داخل الأقبية المفضية إلى مدن البيع والشراء بالصلاة على النبي، بل وبلا صلاة واستنجاء، تأخذ حاجتها ... ما يكفيها وتمضي، والويل للخونة اللصوص الجشعين، العثمانيين، الصول الخائف المرتعد منه في محنة سعاره على مشارف عمان وتلالها يحتمي بالجدران، بطوب الآجر الأحمر، يداه على وجهه كمن يخفي عينيه، يحتمي بالرمال والتراب لتؤويه، يخاف الطرد المحقق في كل الأحوال، العصور.
حاول إدخال البهجة إلى نفسه قائلا: خايف مني.
اعتدل جالسا على حافة السرير، ومضى يتخفف من خفيه معانيا في تذكر ما حدث: تلك القهوة اللعينة.
انثنى يدلك معدته متلويا حين طالعته صورته في المرآة على هيئة شخصيات فان جوخ، جاحظة العينين، الشمامين، بجلودها السوداء المشققة تحت معارك الألوان الهستيرية أو الانتقامية، تتحسر مسندة على الجدران الصماء التي لا ترد تحية، صدى لصوت، دوي انفجار، ماذا حدث؟
ساءه وضعه إلى حد أنه تسند واقفا، منكفئا مقررا إخراج مواد حقيبته، كراساته، الناس وزواحف الأرض الزانية والفتانة وناكرة الجمائل، أين هي حكايات الموتى؟ آثار أقدامهم؟ حكمة السلف من صالح لطالح؟ ما يحدث على المحاور، وعبر الساحات المحترقة بالقار والنفط، المانيكانات الشمعية المسيجة بالمرايا في الأسواق التجارية، كنب الأرصفة، الباروكات، وسينمات السيكس آبيل، وجيمس بوند، والأميركان جوجولو.
وجه العالية سليبة الإرادة بجدائلها وردفيها على وهج ألسنة الموقد النحاسي، تسقط على وجهها سائحة كشمع قاتم.
لو أن شخوصه تحركت من حوله، أخذته معها من حيث جاءت، لو أنه سمع صراخ الأخت الكبرى الضامرة إلى حد طفلة داخل رحم محذرة: ما تشرب من القهوة دي.
تذكر أنها عادت فخطفت فنجانه وارتشفته بكامله، لعلها لا تزال داخل قفصها بشباك المطبخ على ذات النحو.