وهكذا تدافعت الأجساد كيوم الحشر، باتجاه مضارب الأميرة «شماء» لا يوقفها حرس أو فرسان دون التفاته إلى الخلف، مطالبة بالدليل واليقين.
وتكسرت كل محاولات السلطان حسن ابنها ووريثها وابنتها الجازية و«أبو زيد الهلالي سلامة»، في رد الوفود الثائرة وإعادتها إلى صوابها، وهي التي صدمها النبأ الفاجع حتى العظم. - الجثمان، الجثمان.
ورغم التطاول على أبي زيد الهلالي من جانب بعض الأفواه التي أعماها الغضب، فإنه كان الأسرع بالمبادرة إلى إقناع السلطان حسن بإخراج الجثمان وتسجيته على أعلى سلالم قصر الأميرة الأم الرخامي؛ لتهدئة ثائرة الجماهير المنذهلة غير المصدقة: - إنا لله وإنا إليه راجعون!
وهكذا حط الهدوء على هامات الرءوس الثائرة والغاضبة والفزعة، وتدافعت الوفود في ثباتها تلهج بالرحمة والغفران للموتى والأحياء معا، وهي ترقب الجثمان الطاهر المسجى في حالة من الاطمئنان والصفاء الذي فعل مسراه في الأعصاب والمشاعر التي أغرقها الحزن.
واعتلى كل أمراء بني هلال بدءا من السلطان حسن وأبنائه الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ويحيى إلى الجازية وأبو زيد الهلالي الساحات، متحدثين في ثبات إلى جماهير المشيعين.
واندفعوا يطالبونهم بتحكيم العقل وإعمال الحكمة، بحثا عن حلول لما أصبح يعانيه الجميع شمالا وجنوبا من جوع ومذلة: - المشورة حق للجميع.
وما إن انتهت مراسيم دفن الجثمان والعزاء والمواساة، حتى اشتهرت وصية الأميرة الأم، والتي نصبت فيها الأميرة «نور بارق» أو الجازية لتأخذ مكانها في قيادة التحالف الهلالي.
وهنا تنفست الجماهير المحيطة التي لا تحدها غير الصعداء، فالجازية وحدها هي الأقدر عن جدارة في أخذ مكان الأميرة الأم، وهي المعروف عنها مدى بأسها في الحرب والنزال، ومدى حنوها واحتضانها لآلام الجميع التي تزايدت في السنوات الأخيرة العصيبة التي صاحبت الجفاف. - الجازية، أم محمد.
1
وكما لو أن اسمها ذاته سرى بين الجموع مهدئا كبلسم شاف.
حتى إذا ما واصل قاضي قضاة نجد «بدير بن فايد» قراءة وصية الأميرة الأم التي دونت على رقعة طويلة من جلود الغزلان البرية، تعدى طولها طول قامته، معلنا رصد الشماء للجانب الأعظم من ممتلكاتها وكنوزها لفقراء بني هلال وبسطائهم بالإضافة إلى جرحى الحرب والمعوقين وأسر الشهداء، حتى تعالت الأصوات المترحمة مدوية من كل جانب، وعلا بكاء النساء ونحيبهن، وسمعت أشعار المراثي علية من هنا ومن هناك:
شما تلفتيني
بحبك شبقتيني
قومي واسقيني
من فوق شبرية
بالليل أنا أزورك
وها الوقت دا شويه. •••
انظر لشامتها
هذي علامتها
انظر لقامتها
شبه الردينية.
ولم تتوقف سيول الأشعار الجنائزية والمراثي إلا عندما تدخل القاضي بدير مقاطعا بحزم مواصلا قراءة الوصية لجموع الهلاليين مشرقا ومغربا، والتي تضمنت الحث على الجهاد والتلاحم والدفاع عن الحق والأخذ بالمشورة وتكامل العقول العربية، وعدم الاستسلام للواقع القاسي الذي لحق بقوت الجميع ومصيرهم.
وامتدت أيام الحزن أربعين يوما توافدت خلالها الوفود العربية من كل مكان وكيان إلى ربوع نجد للعزاء في وفاة الأميرة الأم، رأس المشورة للتحالف القبائلي الهلالي شمالا وجنوبا.
جاء من العراق الأعلى حاكمه الخفاجا عامر وابنته «ذوابة» التي تسمى بها، وهي الشاعرة العريقة التي أبكت جماهير بني هلال، وخاصة نساءهم بأشعارها:
يوم غرب النجع يا ما بكى ضرغام
وقال بيض الليالي مضت
واللي بقى صار غام
رايح تغرب يا ابو ذوابة
وفايت الاصطبل والخيل فيه
ما بكى الخفاجا عامر وقال
بكر الشجر راح
ما عادت تنفع الخيل فيه.
وجاء من وادي الحجاز الأمير جابر وابنته العالية بنت جابر، وكانت ممشوقة القامة باهرة الجمال شديدة الحضور، وما إن وقع نظر فارس بني هلال أبي زيد الهلالي عليها حتى تأججت داخله المشاعر الملتهبة التي دفعت به دفعا إلى الاختفاء عن العيون أياما، لا يعرف له أحد مكانا إلى درجة دفعت بالسلطان حسن بن سلطان إلى إرسال وفوده وفوارسه للبحث عنه أينما كان وتحت أي سماء، دون جدوى.