وكما لو أن هاجسا خفيا وحد بين جميع قبائل وبطون عرب بني هلال، وهم يتدافعون خارجين مروعين من بيوتهم ومضاربهم وقصورهم في ذلك الصباح المبكر، هذا الهاجس هو الخوف الباطني الذي لا يعرف له سبب، والذي كان ظاهرا تماما على جميع الوجوه كلما تلاقت جموعهم وجموعهن. - لم أنم البارحة. - أجل. - لم أذق للنوم طعما. - لحظة واحدة فقط. - غمضة عين.
صحيح أن الجميع كانوا على دراية بمدى ما حل على كاهل الأميرة الأم - شماء - منذ سنين قريبة من مرض عضال، أضنى أطباء نجد والشام والأندلس ويئس الجميع من إمكانية شفائها.
ولم يعد يسمع منها وهي مسجاة على فراشها سوى تمتمة. - آجال! أعمار تنقضي!
لكن من يمكن له أن يصدق ويعي من تلك الجموع الغاضبة الحانقة التي تجمعت وفودها من كل صوب وكيان، فلم يقتصر الأمر على النجديين وحدهم، بل سرى مسراه أيضا إلى وادي الحجاز ومدن الطائف وتهامة وتعز وصنعاء وعدن وحضرموت وصرواح ومأرب سريان النار في الهشيم. - الشماء ماتت!
وعلى الفور توافدت الفرسان على مشارف نجد وساحاتها التي غصت بجنازات النساء النائحات والمبتهلات وطالبات الرحمة وشاعرات الموت ومنشداته.
وكان الأمر أكبر وأقسى من مجرد موت أميرة وقائدة، لها وحدها ثلث المشورة في الحرب والسلم والهجرة والتصالح والمهادنة والتحالف.
وكما لو أن هناك إحساسا خفيا جماعيا ناشب الجذور داخل الجميع عن مدى جسامة الكارثة الكبرى الجاثمة التي ستحط يوما على رءوس الجميع، لتمتص رحيق الحياة من جزيرة العرب شمالا وجنوبا. - ما الخبر؟
صحيح أن بوادر الأيام الصعبة لم تلحق عرب الجزيرة بأسرها سوى مع حلول المرض بالأميرة شماء الأم، الذي لازمها السنوات الأخيرة فأمسكها عن كل حركة ونشاط.
وهي بذاتها وتمامها السنوات التي نكست فيها الرايات الهلالية، دون تطلع لجهاد وفتوحات قوامها التعريب والتوحيد، وكأنه باستسلام أميرتهم الأم القهري لآلام مرضها العضال الطاعن استسلم الجميع انتظارا للحظة العافية التي امتدت لسنوات إثر سنوات إلى أن وقع المكتوب.
وضاعف من ثقل تلك الأيام العصيبة التي استغلها كل طامع في الهلالية انقطاع المطر وحلول الجفاف الذي امتص كل رحيق لخضرة وحياة من الزرع والبهائم، بل والناس أنفسهم على مختلف فئاتهم وطبقاتهم.
وهكذا لم يعد بإمكان الجميع سوى التذرع بالانتظار الثقيل، طالبا للعافية ومعاودة الجهاد وركوب المصاعب للخروج من واقع هذا المأزق القاتل لكل حياة.
فحتى ابنها الأكبر ذاته الأمير حسن بن سرحان سلطان التحالف الهلالي، وأخته وريثتها في القيادة والانفراد بثلث المشورة الأميرة «نور بارق» التي عرفت ب «الجازية»؛ حط عليهما ذلك الانتظار الثقيل عاما إثر عام دون تملك القدرة على الإتيان بقرار أو فعل جماعي، بسبب مرض الأميرة الأم وجفاف الصحراء الذي وصل بالهلاليين إلى حد العطش. - ما العمل؟
منذ البداية حاولت الجازية التبشير بمشورة أمها المريضة الغائبة عن كل وعي المثقلة بجراحها الغائرة ... التي لم يسلم منها عضو في جسدها الناحل نتيجة ما خاضته من معارك تركت آثارها وبصماتها عليه.
لكن كان ذلك كله دون جدوى، بل من يسمع ويعي والجميع تعودوا على تلقي القرار مشهرا من فمها الشريف، ساريا على كل رءوس القبائل والأمراء والشيوخ وملوك الجزيرة: شماء الأم القائدة.
بل حتى فارس التحالف الهلالي ذاته، أبو زيد الهلالي، الذي أعلن لجموع بني هلال خبر موت الأميرة الأم شماء الفاجع من أعلى الجبال المطلة على ساحات المدينة؛ لم يسلم من السب والتجريح والتطاول من الجماهير الغاضبة غير المصدقة الهائجة، المطالبة بإشهار الجثمان لتتيقن منه كل عين ترى وتبصر. - كذب، كذب! - تدليس! - اخرس يا شؤم - أين الجثمان؟ - الشهود، أين الشهود؟