أرسل العلام إلى الأندلس، وأرسل زيتون لقاعة، وعضرون لناسة، وضرغام لمغيرة، ومقداد للمنذرة وأرض زيلالي، وشمعون لأكرة، وعماد لأعمداس، وجفال لكسرة، وحماد لأرض مكناس، وشداد لقابس، وسليمان لقيروان وقابس الغربية.
وما إن وصلت رسائل خليفة الزناتي التي حملها ممثلوه الشخصيون حتى تدافعت الوفود والقواد على العاصمة التونسية قرطاج، مشهرة من فورها أسلحتها وحرابها الهمجية ذات الأربعة والعشرين نصلا، مطالبة بالخروج ومداهمة عرب المشرق المغيرين الطامعين قبل أن يتاح لهم الاستقرار بوادي الرشراش لتنظيم صفوفهم، ونفض عناء تلك الرحلة الطويلة المضنية بحروبها ووقائعها منذ خروجهم من مركز تجمعهم في «نجد المرية» إلى أن وصلوا إلى تخوم تونس وقلاعها.
وهو حقا طلب واقعي جدا الذي تقوم به حلفاء الزناتي وقواد عشائره ومعهم العلام بن هضيبة.
ذلك أن رحلة الهلاليين منذ عشية وصول أبي زيد الهلالي إلى نجد والخروج كانت رحلة مضنية جدا، فلقد اجتمعت القبائل مع مطلع نهار الرحيل يتقدمها شيوخ القبائل والفرسان، من أمثال السلطان حسن بن سرحان وأبي زيد الهلالي ودياب بن غانم والقاضي بدير والأمير زيدان شيخ الشباب والأميرة القائدة الأم الجازية.
فخاضوا سلسلة من الحروب والمنازعات في بلاد الأعاجم والعراق الأعلى وبلاد التركمان ضد الحكام والأمراء الموالين لبقايا الإمبراطورية الفارسية وسطوتها، سواء في العراق الأعلى أو بلاد التركمان أو على طول كيانات وقبائل شط العرب والجنوب العربي عامة.
وكانوا يتمثلون في تلك الحروب الطاحنة ببطولات جدهم السالف الأمير حمزة - البهلوان - وسيرته وحروبه المناوئة للأكاسرة منذ أقدم العصور، وهو الذي نبت من بين صفوف القبائل العربية في مكة المكرمة، وجمع نواة جيشه من فرسان القبائل وتحدى بهم في البداية اليهود الخيبريين إلى أن قويت شوكته ضد التسلط الفارسي على كيانات وقبائل عرب الجزيرة شمالا وجنوبا، إلى أن حاصر الفرس وأسقطها.
أما حروب الهلاليين في وادي الرافدين فكانت طاحنة.
وهي حروب أبلى فيها رأس التحالف اليمني القحطاني - أو اليقطاني - دياب بن غانم البلاء الحسن، حيث بانت بطولاته خاصة بعد أن نازل الملك «الدبيسي» وقتله رغم تحذيرات ابنته التي تسمى بها، «وطفا» التي أنشدت:
قد رأيت بحرا من دم
وأنت بوسطه غرقان.
ومن العراق اصطحب الهلاليون حليفهم الملك المسمى ب «الخفاجا عامر»، الذي اصطحبهم بقواته مخاطبا سلطانهم حسن بن سرحان:
نحن يا أمير لنا بالغرب سادة
بأرض الزناتي يا ملك بالجزاير.
إلى أن نزلوا فلسطين ووادي الأردن وحاربوا حاكمها «السركسي» في القدس وغزة، وقتل أبو زيد الهلالي الملك «التبع شبيب بن مالك» حاكم دمشق، وبكته زوجته النائحة «جنوب» وانتحرت في أثره.
ألا يا حمام النوح توجهوا واندبوا
وابكوا على فقد الأمير شبيب
شبيب الذي بكته الناس كلها
وصاحت ديوك العرش مات شبيب
تقول فتاة الحي «جنوب» مما أصابها
لا عيش في بعد الحبيب يطيب.
ودخلوا مصر السفلى عن طريق برزخ السويس بحيلة مهرب الكواعب قشمر بن منصور، الذي هو أبو زيد الهلالي ذاته متنكرا في هيئة مهرج.
إلا أن الحرب امتدت بين الهلالية والملك «فرمند مصر» وابن أخته المدعو الأمير محمود، إلى أن قتل أبو زيد الفرمند.
وكان السلطان حسن قد استحسن مصر كل الاستحسان لكبرها وما فيها من الأبنية الحسان، فصمم أن يبني له فيها جامعا على اسمه ليكون ذكرى له على طول الزمان، فأمر البنائين والمهندسين ببناء الجامع المذكور في ظرف ستة شهور.
وبعد أن أتموه أمر أن يفرشوه بنفيس الفرش وتنقش حيطانه بأحسن النقش، فكان جامعا عظيم المنال يزهو كالهلال، وكان مكتوبا على بابه بالذهب: هذا جامع الأمير حسن الهلالي سيد العرب ...
وبالطبع ما يزال جامع السلطان حسن من معالم القاهرة إلى اليوم.