تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن يونس لم يكف يوما مع عزيزة عن حديثه الشجي عن موطنه ومرتع طفولته وصباه في ربوع نجد المرية، بسهولها وتلالها الملونة وجناتها وحتى طيورها المغردة عبر مروجها العطرة.

كان ينشد لها وهو يتطلع إليها بعينين حالمتين:

يا عزيزة نجد العريضة مرية

ربيت بها أهلي وكل جدود

بلدي ولو جارت علي مرية

وأهلي ولو شحت عليه تجود.

ولكم تمنت عزيزة يوما مصاحبة يونس إلى موطن صباه لا تفترق عنه غمضة عين، لقد التقت مشاعرهما معا ليكمل كل منهما الآخر، رؤية وتصورا وأحلاما مرجوة قوامها الاتحاد وطغيان العدل والمحبة، بدلا من البغضاء والذي دعاه يونس ب «التناحر القبلي». - للجسد الواحد!

لقد بدا الاثنان يحلمان معا عزيزة ويونس بذلك الوطن العربي الواحد، الذي لا مكان فيه للانقسامات والبغضاء طالما أن هناك متسعا للجميع. - مشرقا ومغربا.

وهو ما لم تتوقف المغنية حسنة الصوت مي عن تأكيده وإنشاده والعزف على مرهف أوتاره، حين كانت تمتد جلساتهم معا سواء داخل سجنهم أو حول ولائم قصر الضيافة أو قصر عزيزة ذاته، حيث كان يحلو لعزيزة الطواف بيونس عبر كل ما يجد من مقتنيات ما بين منحوتات وأحجار نادرة ومصنوعات شرقية ومنمنمات ومخطوطات نادرة.

والتجربة ذاتها أحس بها كل من سعدى ومرعي، وإن كانت حول هيامهما بالخيول العربية الأصيلة وما يجد منها.

وهو ما لم يغب لحظة واحدة عن أعين العلام الراصدة لكل ما يحدث مهما حاولت عزيزة وسعدى التكتم عليه، لكن دون جدوى ترجى من شرور العلام التي لم تكن لتنقطع عنهما أسبوعا واحدا بلا وقيعة جديدة تؤرق الزناتي وتونس بأسرها، لدرجة أنها كانت بين الحين والحين تدفع بالشكوك والهواجس إلى قلب الزناتي ذاته.

حتى إنه أصبح في الأيام الأخيرة دائم الخروج عبر بوابات تونس الشرقية؛ ليتعرف بنفسه متشمما عما يجري تدبيره من عرب المشرق.

وذات يوم حث الزناتي ابن أخته العلام على الخروج للصيد مع بقية أمراء تونس وفرسانها باتجاه الحدود، البوابات الشرقية.

حتى إذا ما عاد العلام محملا بمحصلة صيده وقنصه واضعا إياه أمام الزناتي بما فيها من طيور غريبة وما علق بها حتى من الحشرات ما بين ذباب ونمل ونحل وطير الأبابيل والجراد وطير «عيسى» وهو الخفاش والغراب والهدهد؛ حتى إذا ما عاد وأحصى الزناتي متعرفا تلك الطيور والحشرات التي عاد بها العلام من صيده وقنصه بادره: يا علام، ما هذا الذي أرى؟

قاربه العلام متطلعا: ماذا؟

فغمغم الزناتي مندهشا: لم يجلب لنا هذا الصيد سوى العجائب!

ومن جديد تصنع العم مبهوتا عدم الفهم. - لماذا؟ ما الجديد يا خال؟

أجاب الزناتي: الجديد هو ما جلبته هذه المرة بصيدك.

هنا بادره العلام من فوره: وأنا أقول إن ما جلب ذلك لنا ليس سوى ذلك العبد الذي يمرح رفاقه في بلادنا دون حبس، وها هو يحضر قومه الهلاليين بجحافلهم لاستباحة بلادنا. وأنشد:

يقول الفتى العلام ولد غضيبة

لقد بان عندي يا أمير حروف

فهذه عربان الهلالي أبو علي

عليهم الذهب وهم قاعدين دفوف

هذا ملكهم ابن سرحان يا ملك

أمير ابن أمير سيد المعروف .

وهكذا حاولت المخاوف الفعلية خليفة الزناتي هذه المرة، فأمر من فوره بجمع مجلس حربه استعدادا للخروج والقتال.

| حروب الهلاليين على أول بلاد العرب وحصار تونس

ما إن أيقن حاكم تونس وفارسها الذي طبقت شهرته الآفاق خليفة الزناتي بخبر نزول جحافل العرب الهلاليين بين جبلين بوادي الرشراش المزهر على أبواب قرطاج؛ حتى أمر من فوره بجمع مجلس حربه، وعلى رأسه ابن أخته الأمير الملقب «الهصيص» الذي هون قليلا من مخاوف الزناتي وتوجسه من وصول الهلاليين إلى تونس على شكل ذلك السيل الجارف المفاجئ، فتحت يدى الهصيص «أربعة وعشرون أميرا، وكل أمير يحكم مائة ألف عنان».

وعلى الفور أمره الزناتي بإحضار قلم وقرطاس، وأشار إليه أن يكتب إلى ملوك وأمراء بلاده على طول الديار التونسية والمغرب العربي والأندلس، طالما جمع الشمل والمشورة. فمضى يكتب لهم طالبا تجميع فلولهم وقوادهم ونجداتهم دون إبطاء بعدما أرسل لهم برسله.

عزيزة ويونس · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٤٣