وما إن تصافح أبو زيد مع الجميع حتى برز التساؤل المؤرق حول مصير الأمراء الشبان. - يونس ومرعي ويحيى، ومصيرهم؟
هنا فاجأ أبو زيد السلطان حسن والجميع بأنهم مودعون سجون الزناتي والعلام بتونس كمتسللين وجواسيس، بينما أطلقوا هم سراحه ليرجع إلى هنا - نجد - ويعود من جديد بفديتهم.
عندئذ علا الحزن والكمد وجه السلطان حسن لفقده أولاده الثلاثة: يونس ... أكبادي!
وحاولت الجازية من جانبها الاستزادة من دقائق وتفاصيل ما حدث من أبي زيد الذي حكى لهم كل ما توصل إليه من أخبار ومعلومات لحين وصولهم تونس، والتحايل على دخولهم ووصولهم إلى أقصى المراكز الحاكمة بها، وكيفية لقائه بالزناتي خليفة وابن أخته العلام بن هضيبة.
إلى أن كان حدث التشكك في نواياهم ومجيئهم إلى قرطاج الذي انتهى باعتقالهم جميعا من داخل قصر ضيافة الأميرة عزيزة ابنة سلطان تونس المريض معبد بن باديس، ليودعوا غياهب ومطمورات سجون تونس، لحين الإفراج عنه وإطلاق سراحه ليعود بفدية الأمراء المحتجزين. - هذا ما حدث.
وقبل أن يتم أبو زيد حديثه كان مجلس المشورة قد استعد للانعقاد داخل قصر السلطان حسن الهلالي والجازية، وحسم الأمر بإعلان أمر الرحيل إلى تونس لفك أسر الأمراء يونس ومرعي ويحيى.
وعلت على الفور طبول الحرب الندوبة المتوارثة منذ ملوك وتباعنة اليمن والمعروفة بالرجروج؛ إيذانا بالرحيل والحرب.
| الزناتي يجمع مجلس حربه لمحاربة الهلالية
استطاعت الأميرتان عزيزة وسعدى بعد طول صراع مع العلام منذ رحيل أبي زيد الهلالي عن تونس، نقل الفرسان الثلاثة يونس ومرعي ويحيى من سجون تونس العامة إلى السجن الملحق بقصر العزيزة.
وذلك حتى يكونوا بمأمن من انتقام ورعونة العلام وبطشه الذي قد لا يعرف أحد مداه بالنسبة إلى أمن تونس، في حالة إقدامه على قتل الغرباء الثلاثة غدرا داخل غياهب السجن.
وهو بالفعل ما حاول العلام ارتكابه بمختلف الوسائل والأساليب للتخلص منهم وأولهم يونس بالذات، الذي رأى العلام بعيني رأسه تعلق عزيزة به بحيث أيقن من ذلك تماما، بينما تعلقت سعدى بشقيقه الأصغر مرعي.
ومن هنا لم تغفل عيونهما معا عنهما، سواء عن طريق تسلل عيونهما وبصاصيهما إلى داخل أسوار سجنهما أو عن طريق فرض سلطاتهما كل منهما عن طريق والدها.
فأكثرت عزيزة من التردد على قصر والدها المريض السلطان معبد، كما تكفلت سعدى بأبيها فارس تونس وحاكمها المهاب الخليفة الزناتي، الذي يخشى العلام أول ما يخشى سطوته والخروج عن أوامره وإرادته.
بالإضافة إلى التزامهما معا أو منفردتين بزيارة السجن والالتقاء مواجهة، عزيزة بيونس وسعدى بمرعي.
واللافت للنظر أن محاولات العلام لاغتيال الغرباء الثلاثة والإجهاز عليهم داخل أحد سجون تونس الواقع تحت سطوته، كانت تجيء - بشكل دوري - في أعقاب زيارة كل من عزيزة وسعدى ليونس ومرعي والإتيان لهما ببعض ما قد يحتاجانه من مأكل وملبس ومدونات أو مخطوطات انكب دأب يونس على قراءتها، للتخفيف من عبء وضغوط السجون والبعد عن عزيزة بالذات كما ذكر لها مرة.
وبالطبع كانت تنقل إلى أذني العلام كل محاولات عزيزة للاتصال بذلك الشاب المترفع كالرمح المدعو يونس، من عيونه ومرءوسيه، مما كان يلهب أحقاده الدفينة ضد العزيزة التي رفضته وأصبحت تناصبه العداء المعلن، مفضلة عليه ذلك المتسلل المعدم. - حقا ما أغرب وأبشع النساء!
وهكذا يروح العلام يلتهم غله وأحقاده، بحثا عن كيفية الانتقام من ابنة عمه التي فضلت عليه الغريب وأصبحت تحميه وتدافع عنه بكل ما تملك من قوة ضده. - يا له حقا من زمن غريب!
فكان يأمر سجانيه بإحراق كل ما تبعث به عزيزة إليه أولا بأول، بالإضافة إلى التشدد في تعذيبه ومحاولة اغتياله بأي وسيلة متاحة، ولو بكتم أنفاسه في أعماق الليل الدفين.