إلا أن فرحته هو ذاته - أبو زيد - بالزواج من العالية لم تكتمل حين فضل طائعا الإسراع بالخروج في هذه المهمة، التي ويا للأسف يعود منها وحده بعدما خلف رفاقه الأمراء الثلاثة مودعين سجون تونس لحين عودته بفديتهم!
غمغم أبو زيد ساخرا لنفسه وهو يضرب بنعليه حواري ومتاهات ذلك النجع الذي ترك به حصانه وبقية مهامه ولوازمه لدى أحد عيون الهلاليين لحين عودته. - نرجع بجيوش الهلالية حالا يا علام.
حتى إذا ما استرد حصانه ومضى ليلته بوادي الرشراش ودع مريديه بحرارته المعهودة وامتطى حصانه مع الغسق مطلقا العنان إلى نجد المرية، يسابق ريح الصباح المعبقة بعطر تونس وتخومها.
كانت مهمة فارس بني هلال أكثر وحشة ووعورة مع العودة عنها مع المجيء إلى هذه الديار؛ نظرا بالطبع إلى وحدته من دون رفاقه، ونظرا أيضا لأن عليه الإلمام بكل الدقة لكل جديد أو تغيير طرأ على البلدان والأقوام التي ستمر بها - فيما بعد - الهجرة الهلالية يتقدمها جيشها الحامي الفاتح.
ففي مصر العدية وجد الأمور كما هي مع حاكم صعيدها الماضي «ابن مقرب» حليف الهلالية الوفي؛ نظرا إلى إخلاصه وثباته على محالفتهم.
لكن المشكلة قد تطول بهم - أي الهلاليين - في دمشق وفلسطين لتصبح أقل كثيرا في بلاد السرو وعبادة - الأردن اليوم - وحلب الشهباء ووادي الرافدين عامة.
كان عليه الإلمام المستفيض بمجريات أمور وصراعات هذه الأقوام المتاخمة.
وكان لأبي زيد الهلالي طرقه الخاصة لحشود الأحداث والمعلومات التي عليه اختزانها بشكل يحقق فائدتها عند الحاجة دون كثير عناء ودون الاعتماد فقط على الذاكرة، خاصة إذا ما تطلب الأمر تحقيقها على الخرائب ومسالك الطرق وكيفية عبورها برا أو بحرا أو حتى الاضطرار إلى تحقيقها وشقها في حالة عدم وجودها.
فمن أقوال الهلاليين التي اشتهرت عنهم: أشق الطريق إن لم أجده.
ولذا ما إن تحقق لأبي زيد التوصل إلى أهدافه ومبتغاه، حتى اتخذ طريقه إلى نجد محملا بكل جديد من يانع المعلومات التي تعجل بالهجرة، وما تتطلبه بالضرورة من دفاع وحرب.
حتى إذا ما شارف أبو زيد معالم نجد سرا ليلا ترجل عن حصانه، مسلما قياده لأول من صادفه بها وكأنه كان على موعد شديد الدقة مع وصوله. - أبو قمصان ...
فهو الذي رحب به مقتضبا كعادته، وكأنهما لم يفترقا لشهور طويلة أقيمت الدنيا فيها وأقعدت مرات إثر مرات، قائلا في تعاليه: أين الشباب؟ - بسجون تونس.
قال أبو القمصان بتعاليه: تونس، تقصد قرطاج. - أنا متعب يا أبا القمصان.
أشار أبو القمصان: إذن عليك بالأميرة العالية الليلة.
وهكذا أخذ أبو زيد من فوره بنصيحة - إن لم يكن صيغة أمر - أبي القمصان متجها من فوره إلى قصره ومضاربه.
حتى إذا ما استقبلته زوجته العالية بكل الحب والترحاب وهي تمسح دموعها الغزيرة في وجهه ولحيته: أبو زيد، حبي، لم أعد أستطيع فراقك غمضة عين.
وهنا أردف أبو القمصان قائلا: كانت تفك غلها في ريش طيور البيت من إوز ودجاج لتنتفها في حرقة.
ولم يتمالك أبو زيد والعالية من الضحك حين نطق أبو القمصان موضحا: حرقة الفراق.
ولم تطل فرحتهما باللقاء كالعادة منذ زواجهما، فسرعان ما عرف وانتشر خبر وصول أبي زيد الهلالي سرا ليلا ليسري سريان النار في هشيم الضواحي والبوادي.
وعلى الفور تجمعت الوفود من كل صوب وحدب باتجاه مضارب أبي زيد منشدة ومغنية:
اليوم قد جانا
من هو عزنا وحمانا.
وهكذا لم يجد أبو زيد مهربا للحظات يختلي فيها بالعالية حبيبته - الذي أدماه فراقها - بعدما أرغم على الخروج والالتقاء بالوفود التي تقاطرت على مضاربه مرحبة مستطلعة.
إلى أن جاءه ركب السلطان حسن بن سرحان ذاته، وبصحبته أخته الجازية وقاضي القضاة بدير بن فايد والأمير زيدان الهلالي شيخ الشباب.
وكذلك جاء دياب بن غانم وابنته «وطفاء »، وأزمة بني زغبة الذين قدموا من اليمن إلى نجد في فترة غيابه، تمهيدا لما ستسفر عنه الريادة للتعجيل بالخروج والرحيل.