تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكم من إهمال وصل بالزناتي الكمد حتى أقصاه، من العلام وأفعاله! وهو الذي أتاح له الوصول إلى قمة السلطة الحاكمة بتونس وقرطاج، إلا أن العلام كان لا يعرف له حدودا يقف عندها حامدا ربه.

فكان كمن يتغذى بالتملك الذي يتيح له مواصلة الصعود والتفوق دون مراعاة كافية لمعلمه وربيبه الزناتي، مما كان يتيح للأخير إحساسا بصنع المعروف في غير أهله.

ومن هنا كانت تعلو شكواه لأقرب مقربيه ابنته سعدى متذمرا شاكيا: هذا العلام الأرقط، المسموم!

وبالطبع تقوم سعدى بنقل نص حديث وتذمر والدها الزناتي صبيحة اليوم التالي لأذني العزيزة، التي يصل بها النفور إلى حد كره تونس بمن فيها، وقد يدفعها الأمر أو الضيق إلى التفكير في السفر والسياحة، أو استعجال المؤجل من برامجها. - لا مهرب لنا يا سعدى يا أختي سوى السفر لكي ننسى.

وتقاطعها سعدى في بعض الأحيان مؤكدة ضرورة عدم دفن الرءوس في الرمال. - كيف نهرب من العلام؟

وينتهي الأمر بعزيزة إلى معاودة انشغالها بمخطوطاتها العفنة، أو مقتنياتها التي عادت بها فرحة من أرض الله الواسعة، أو اختصار الطريق والتجهيز لرحلة بحرية جديدة مشرقا ومغربا. - دعينا ننسى يا سعدى. - لكننا سنعود إن عاجلا أو آجلا إلى تونس.

وتغمغم عزيزة: إلى العلام! - الجلاد!

وكثيرا ما يستحوذ العبث بسعدى فتمضي مغيرة الموقف معابثة عزيزة: لكنه لم يفق بعد من هواك يا عزيزة!

وتغني متندرة:

العلام في هواك يا عزيزة

كل يوم يكسر له حصان.

هنا تدرك عزيزة أن سعدى بدأت تضايقها لتغيظها حين تسألها: أنت أيضا تحبينه يا عزيزة يا حبيبتي. - أنا؟! - أجل أنت. - أحب من؟ - الأمير العلام ابن عمك من لحمك ودمك.

وقد ينتهي الأمر بسعدى في لحظات الصفاء في معاودة مكايدة عزيزة بما تعرفه عنها من رومانتيكية ورغبات جامحة، وقد تلاعبها مصارعة إلى أن تطرحها أرضا ضاحكتين عابثتين.

لكن وفي بعض الأحيان، يصل الحنق بعزيزة من مكائد وعنفوانية العلام بن هضيبة إلى حد يدفع بها دفعا إلى شق ملابسها أمام سعدى، التي سرعان ما يأخذها الموقف وما انتهى إليه فأغضب عزيزة إلى هذا الحد، فتقاربها مصالحة مواسية: أنا لا أقصد شيئا يا عيني يا عزيزة.

هنا تصرخ عزيزة ضائقة: أما من مهرب من هذا السجن الكبير قرطاج، تونس بأكملها؟!

وعادة ما ينتهي الأمر بالسفر البحري متنفسا ولو للتغيير داخل موانئ تونس وقلاعها وتخومها السبعة، لحين انتهاء الرحلة والعودة مرة أخرى إلى الأهل والوطن.

وهكذا بدأت حياة الأميرة عزيزة الباهرة الجمال ابنة سلطان تونس أقرب إلى أن تكون حياة منقسمة أو مزدوجة الشخصية.

فبينما اتسعت شهرتها لتعم الآفاق ليتغنى بها الشعراء وينشدها المداحون وتذكرها مسارح خيال الظل في كل مناسبة ومكان؛ مضت هي تعاني وحدتها القاسية تفاديا للمنغصات والمعوقات التي لم تفرغ منها جعبة العلام يوما أو لحظة.

| تنكر «أبو زيد» والفرسان الثلاثة

كان أصعب ما في «الريادة» والعزم على السفر بالنسبة إلى فارس التحالف الهلالي أبي زيد بصحبة الأمراء الشباب الثلاثة يونس ومرعي ويحيى؛ هو كيفية مفاتحة زوجته العالية بنت جابر بالأمر، فما الذي يمكن قوله لها وهي التي لم يمض على زواجها منه، برغم قتله لشقيقيها عقيل وزيد سوى تسعة أيام لا غير؟

صحيح أن أبا زيد أحال تجربة تلك الأيام التسعة إلى ما يقارب تسعة أعوام، تمكن خلالها من ترطيب جراح العالية الغائرة الأبعاد، بطرح تفاصيل وظروف ما حدث منه لشقيقيها في مجاهل الهند وسرنديب منذ زمن مضى وانقضى.

وطالبها أبو زيد في نهاية شرحه لما حدث بأهمية الأخذ بمبدأ أن ما فات مات وانتهى أوانه وأجله، فالأكثر أهمية هنا هو حاضرهما معا، يعانيان مشاكل ما حط على كاهل العرب الهلاليين في السنوات الأخيرة من كوارث لا قبل لهم بها على طول تاريخهم الطويل الحافل: المهم يا عالية يا حبيبتي هو محاولة تغيير واقعنا دون استسلام.

عزيزة ويونس · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٢٢