ولم تقتصر رحلات عزيزة على مدن وموانئ وحضارات الغرب، فزارت الشرق كثيرا وعاشت حياته؛ زارت بيروت وطرابلس وصور واللاذقية وحلب الشهباء والإسكندرية. وكان يحلو لها تدوين ملاحظاتها وأفكارها ليلا؛ عن ملامح الناس البسطاء وأزيائهم ولهجاتهم وموسيقاهم ومساكنهم وأسواقهم وحتى أغطية رءوسهم، وكان يحلو لها تأملها واقتناؤها والعودة بها عقب كل رحلة مع ما يعجبها من منسوجات ومجوهرات ورسوم ومنحوتات وأزياء وآلات موسيقية، فتروح تنشغل في تأملها وكيفية عرضها فيما بعد على طول الجدران المرمرية - السوداء - التي شيد منها قصرها المنعزل على روابي قرطاج الفيحاء الكثيفة الخضرة.
فاستحال القصر إلى متحف شاهق انتقت العزيزة عناصره ومحتوياته بحرص شديد، والتي راوحت ما بين أغطية رأس الشعوب وشعورهم أو شعورهن المستعارة ومطرزات دمشق، وأرجوان صور، وعروش مهجورة لملكات يمنيات متآكلة الأخشاب وما دون تحتها من نصوص طريفة، منها ما كتب على قبر الملكة «تدمر بنت حسان بن أذينة»، وأذينة هو اسم والدة الملكة تدمر: خرب الله بيت من خرب بيتي!
فكانت تسافر المسافات الطوال بحثا عن أشعار ومعلقات مزدانة بالمذهبيات لشعراء مندثرين، أمثال السموءل، وأمية بن أبي الصلت، وجليلة بنت مرة، والعنتريات وغيرها، تروح تنشد مقاطعها أمام شمعداناتهم ومراياهم ليلا.
وكثيرا ما استوقفتها سعدى وبعض الصديقات والجواري المقربات سائلات، لتندفع عزيزة من فورها في فيض لا ينتهي من الشرح والإسهاب سواء أكان هذا الموضوع متصلا بالمدونات والمخطوطات العفنة البائدة، أو متصلا بمنحوتات الأحجار الكريمة والرسوم والمنمنمات، أو متصلا ببقايا مومياء متآكلة يفيض مرآها بالرهبة التي تدفع بسعدى خاصة إلى الخوف والرهبة، فكانت تصارح عزيزة بإحساسها فتمضي الأخيرة من جانبها في الاسترسال والحديث والشرح.
ولعل هذه المعرفة المتعطشة دوما إلى كل استزادة ولو أدى الأمر إلى الأسفار والاتصال المباشر بالأشياء من جانب عزيزة، هو ما أفضى إلى اتساع شهرتها والتغني بها وبجمالها الآسر الباهر من جانب الشعراء والمداحين، وأصحاب مسارح خيال الظل التي عرفت باسمها السفيرة عزيزة.
كما أن هذه المعرفة كانت في ذات الوقت مصدر عذابها وعزلتها النفسية عن بني جلدتها، أو حتى بعدها عن الطمع في الاستحواذ على السلطة التي ستئول إليها، بحسب التوارث الأنثوي والطبيعي لعرش تونس وقلاعها السبع بالجزائر والمغرب العربي والأندلس.
بل إن هذا بذاته هو السبب الدافع الكامن والمؤجج لرغبات الاستحواذ عليها من جانب معظم طالبي الزواج منها، الذين رفضتهم بكل عنف كاشفة ومبررة لأبيها طموحاتهم الدفينة.
وهكذا خلا الجو لابن عمها «العلام بن هضيبة» الحاكم الفعلي لتونس وقلاعها، نظرا إلى شبابه وحيويته المتدفقة وقسوته المتجبرة، خاصة مع كل طامع من الغرباء.
خلا الجو للعلام «ليبيض ويفرخ» مستعينا في أحقيته القبائلية في الزواج من ابنة عمه عزيزة، مما ييسر له بالطبع الطريق المفتوح على مصراعيه إلى عرش تونس، الذي نضج وحان قطافه بمجرد أن يلفظ السلطان المعتزل المريض «معبد بن باديس» والدها أنفاسه الواهنة. - العلام.
لكم فكرت عزيزة فيه وانشغلت كثيرا في هذا الأمر، حتى أعياها التفكير دونما التوصل معه إلى سلام أو مهادنة تتيح لها الالتئام النفسي معه والاطمئنان منه! لكن دون جدوى.
وكثيرا ما استعانت عزيزة بصديقتها المقربة سعدى، التي كانت بدورها تكره العلام، ليس فقط لمجرد التعاطف مع عزيزة، لكن بسبب دمويته وتجبره وشهوته العارمة للسلطة والتسلط.
ناهيك عما كانت تسمعه بنفسها من والدها خليفة الزناتي، الذي لم يكن يخفي عنها خافية من صراعه اليومي الطاحن مع العلام ابن أخته، حتى إذا ما انتهى الأمر به في أحضان فراشه، كانت سعدى آخر من يطبق عينيه على خيالها شاكية متأففة منه.