وبالطبع لم تخل جلسة اللقاء من التمثل بالشعر الملحمي الذي عرف عن الهلاليين وأبطالهم، والذي يحوي حكمتهم وبساطة حياتهم وسماحتهم.
فألقيت القصائد والأشعار العامية التي تفيض تمجيدا بمآثر أبطالهم:
أبو زيد بالعربان ليس مثاله
بالجود والمعروف وحسن ثبات
حوى حكمة لقمان وجود حاتم
وصبر أيوب وكل صفات
وحاز خصال الخيرين جميعهم
أمير ابن أمير سيد السادات.
وتعالت معلقات شعر الخفاجا «عامر» حاكم العراق المتفجرة بالأحاسيس القومية الجياشة:
يا أيها الطير الذي طار بالفلا
تسعى إلى الدهر الذي بك طالع
تأكل ربيعا بأرض مصر وزرعها
وتبيض بأرض العراق المواضع.
ومن خارج قصر المشورة الشاهق تعالت التكبيرات والهتافات المدوية.
وهو القصر المشرق بأبهائه ومشربياته وقاعاته العربية المطل على أكبر ساحات نجد الفسيحة المترامية، حيث تجمعت وفود الفرسان المتطلعة حماسا لما يحدث ويجري داخل أروقته وأبهائه الفسيحة، وهو ريادة المغرب وتعريبه، ونشر الحضارة العربية عبر ربوعه، سواء حدث هذا بالتراضي والإقناع أو استلزم الأمر حد السيف.
وتعالت هتافات الدعوة للجهاد، كما ارتفعت الأصوات المطالبة بالإسراع والتعجيل بالرحيل، مما اضطر الجازية إلى حث أخيها السلطان حسن على مواجهة الجموع المتحفزة الثائرة في الخارج، وطرح ما انتهت إليه المشورة.
وحبذ رأي الأميرة الجازية كل من دياب بن غانم وأبي زيد الهلالي قائلا: لا بد من طرح الأمر على الصغير قبل الكبير، ومصارحة الناس بمستقبل مصيرهم ووجودهم بكامله.
ولم يجد السلطان بدا من التدثر بعباءته والخروج إلى الشرفة الكبرى، ليستقبل بالهتافات والترحيب المدوي المعبر عن تعلق جماهير الهلاليين به، حتى في أكثر المناسبات والظروف قوة.
واختتم الهتاف والترحيب بالأشعار والأغاني الجماعية:
يوم العرب نووا مغرب
يوم خميس أبرك الأيام
العرب في تونس تدللو
ملكوها عن الريد للريد
ملكوا علوها والمواطي.
هنا قاطع السلطان حسن الجميع بإعلانه للقرار الذي أجمعت عليه المشورة، وهو الخروج وإعلان الجهاد.
ومن جديد علا تصفيق الاستحسان وتعالت الشعارات ودقت الطبول، وتبادلت الوفود التهاني التي قطعها صوت السلطان حسن معلنا من جديد اضطلاع فارس الهلالية أبي زيد بالمصادرة للخروج أولا لمعرفة الطريق إلى المغرب وريادته لها بصحبة الأمراء الشباب الثلاثة: يونس ومرعي ويحيى.
هنا تعالت التصفيقات مرة أخرى، حين اندفع أبو زيد محييا الفرسان والجموع ممسكا بأيدي الشباب الثلاثة: الريادة.
وحين وصل حماس الفرسان والجموع إلى آخر مداه، ارتفعت على الأثر أصوات طالبي التطوع، والتي سرت مسرى النار في الهشيم في أعصاب الجموع، التي كان قد هدتها وحطت عليها تلك الهدنة المملة الطويلة التي انتكس السلاح فيها إلى حد الصدأ.
تعالت أصوات راغبي التطوع منذ البداية، وتقدم أبو زيد بصحبة يونس لشرح الأمر وإيضاحه باعتبار أنها - أي الريادة - مهمة استطلاعية سرية لكشف ما استجد من أمور ومسالك وحكام جدد واستعدادات دفاعية، تمهيدا للخروج والرحيل وبالتالي القتال.
وارتفع صوت يونس موضحا: تمهيدا للجهاد.
وانتهى اللقاء بين القادة الهلاليين وجموعهم بإسراع الجازية والأمير يونس بفتح الأبواب على مصراعيها وخروج الشباب بأكداس الطعام والشواء التي ارتفعت رائحتها حين آن أوان العشاء، فمدت الموائد والأسمطة المغطاة بأكوام اللحوم والثريد وأطباق الحلوى والفاكهة والمشروبات.
وتبادل الجميع على موائد الطعام الآراء والمعلومات التي عادة ما يختزن المفيد منها حتى ولو جاءت من أبسط الناس، وفقا لتعاليم الشورى الهلالية.
وطغت أمنيات الجموع والفرسان المودعة لأبي زيد والأمراء الثلاثة في مهمتهم الجديدة على الأفواه، مصحوبة بالدعاء والتوفيق وعبارات التكريم الحارة والوداع. - ترجعوا بالسلامة! - النصر! - أقصر المسالك! - تعرفوا على ما يحدث حولنا. - قرطاج للمرة الثانية! - تونس. - تسلحوا بالحكمة والصبر.