وكان الأمير الزحلان قد دفع به إلى كبار معلمي عصره في إعداد الفرسان وتدريبهم فنون الحرب وخداعاتها وحيلها، وما تستلزمه من إلمام بلغة الأعداء ومعرفة طبائع الناس والبلدان والأسلحة، وكيفية نقل الجنود والاقتتال البحري وحصار المدن والسواحل.
حتى إذا ما حقق مراده في العودة إلى أحضان قبائله الهلالية، عاد محملا بخبرات الشعوب البحرية من بقاع لبنان التي تربى بها إلى مطلع شبابه.
فلقد كان فارس الهلالية أبو زيد مولعا منذ صباه المبكر بالسفر والترحال بحثا عن كل جديد، وساعده في هذا وجوده في بيئة بحرية تتيح له الإبحار والتجوال عبر بلاد الله الواسعة الفسيحة مشرقا ومغربا.
ولكم أتاح له البحر الشاسع المدى إطلاق خياله المنتفخ بدوره دون انغلاق وتوقف عند حياة البدو وطبائعهم وخوفهم الدائم منه ومن أمواجه العاتية، كما ساعد أبا زيد الهلالي في غزوه وترحاله الدائم دون توقف معرفته الواسعة بلغات ولهجات وطبائع الشعوب، من قريبة متاخمة إلى بعيدة مترامية لم يسمع بها قبل.
ومن هنا تحقق تفوق أبي زيد نتيجة لأسباب تجاوبه في القيادة ووضع الخطط والتنكر ودراسة وتعرف أنماط حياة كل وأي كيان وقبيلة وبطن عربية، ابتداء من ربوع الشام حيث طرابلس المشرق وانتهاء بطرابلس عرب المغرب.
وهي الخبرات التي حملها إلى نجد معدا بها فيالق الهلاليين وكتائبهم وألويتهم، مستفيدا من تكامل البلدان والكيانات العربية، التي آن أوان توحيدها ولو استدعى الأمر حد السيف، وهو ما عبر عنه ونقله إلى شباب المجاهدين الهلاليين ضد همجية وخرافة العالم القديم.
فما إن قاربت طبول الحرب الهلالية طرقها المدوي من كيان إلى آخر ومن مضرب إلى ما يتخمه، حتى تدخل بعض العقلاء في اجتماع المشورة مطالبين بالتروي، ولو لإعادة مراجعة قرار الهجرة والحرب وما يستلزمه من إعداد ورص للصفوف والمؤن.
فمثل هذا القرار يستلزم معرفة أكثر اتساعا بمسالك الطريق الذي يسلكه الألوف المؤلفة من الهلاليين، وريادته عبر الشام وما بين الرافدين مرورا بفلسطين ومصر وليبيا إلى قرطاج تونس التي يعرفها الهلاليون أكثر من غيرهم، وسبق أن نزلت جحافلهم أرضها الخضراء الوارفة كجنات تغذيها شرايين الأنهار قرونا عقب قرون، حيث أطلقوا عليها «تؤنس»، أي «أنس الغريب».
على هذا النحو استقر الرأي الذي رجحته الأميرة - الأم - الجازية بثلث تفردها بالمشورة قائلة: تؤنس ... قرطاج ... المغرب الذي آن أوان تعريبه.
قال دياب بن غانم مؤكدا: المغرب العربي، بإذن الله.
وهذا هو ذات المعنى الذي نطق به السلطان حسن الهلالي مؤكدا، وتوالت على أثره الأسئلة والتساؤلات، أبرزها أهمية المعرفة والجمع العاجل للجديد، وما استجد من معلومات سواء للأقوام والبلدان التي ستحتاجها جحافل الهلاليين وأحمالهم ومئونتهم وجيشهم في جزيرة العرب، وسواء في مدن الشام وفلسطين ومصر وليبيا إلى أن تصل غرضها فيالقها إلى قرطاج والمغرب العربي، في طريقها بالطبع إلى الأندلس. - أبو زيد ...
هنا جاء دور أبي زيد الذي لم يفق بعد تماما من حبه وزواجه بالعالية بنت جابر - قاتل شقيقيها - ومدى وعوده ورهبة لقائه الأول معها الذي قد تقصر عنده أكبر معاركه ومنازلاته وملاحمه.
صحيح أنه لقاء الحب والرغبة الجارفة الدافقة إلى تحقيقه من دون التطلع إلى الوراء، الذي قد يحوله من فوره إلى بغضاء وكره مدمر أصفر. - أبو زيد ...
فهو وحده الكفيل بالمبادرة في المهام الحيوية مثل الهجرة والحرب.
وأعادت الجازية حرصها على الهلاليين. - فقط لنعرف عن قريب ما استجد، الطريق ...
غمغم القاضي بدير بن فايد: الطريق وريادته.
وأكملت الجازية مؤكدة: الريادة.
وهكذا عادت الأنظار جميعها لتنصب على أبي زيد الذي أطرق من فوره مستجيبا، مفكرا في زوجته العالية التي لم تبرأ بعد من أحزانها وأفراحها، لكن ما العمل ومصلحة وأمن وقوت القبائل الهلالية تهيب به للإسراع في الحركة والعمل المضني، الذي آن أوان تحقيقه إن لم يكن قد تأخر كثيرا. •••