تذكر السلطان حسن عهده ذاك وهو يأخذ طريقه ليلا داخل أبهاء قصره للاجتماع بأخته الجازية ومفاتحتها في الأمر، مقدما المطلبين للأميرين دياب وشكر ورغبتهما في الزواج منها، فما كان من الجازية إلا أن أرجأت في أسى كظيم كلا المطلبين.
وهنا تعرف السلطان حسن بعمق بصيرته مدى ما اعتراها من تحولات أضفت عليها شحوبا أقرب إلى الذبول، عقب لقاء أبي زيد بالعالية بنت جابر وخطبته لها، بل وإتمام الزواج.
وهو الزواج الذي جاء مبسطا خاطفا نتيجة لوقوعه معجلا في أعقاب ما تبقى من شعائر جنازة الأميرة الأم شماء، حيث اقتصر على مجرد عقد القران الذي أبرمه القاضي بدير في حضرته - أي السلطان حسن - حسب رغبة الطرفين خاصة العالية بنت جابر، التي ما زالت تعاني أيضا من مقتل أخويها عقيل وزيد في مجاهل الهند وسرنديب على يد أبي زيد الهلالي حبيبها وزوجها المقبل.
ورغم مباركة الجازية للزواج مفضلة حقن دماء الهلاليين لبعضهم البعض وما قد يجره هذا من سلسلة الانتقامات وبحار الدم الواحد المراق، فإنها أبقت على مأساتها الشخصية وآلامها لافتقاد صديق صباها ومطمح آمالها كأنثى ... أبي زيد.
ثم ها هي أخيرا تجد نفسها نهبا لرغبتين شديدتي التشابه، فإما قبول الزواج بابن عمها دياب وما تتحسسه منه من رغبات دفينة في التسلط برغم إقدامه وفضائله التي لا تنسى للهلاليين، وإما قبول أمير مكة زوجا بما يحقق لها من عناصر قوة جديدة لقبائلها الهلالية خاصة في هذه الظروف العصيبة، وهو ما ضاعف أحزان الجازية إلى حد شل حركتها عن اتخاذ قرار واضح صريح، مفضلة في المحل الأول مصلحة الهلاليين السياسية دون أي اعتبار لمشاعرها كأنثى قبل أن تكون قائدة ومحاربة.
لذا تساءلت الجازية طويلا لنفسها: كيف أتصرف؟
صحيح أنها انشغلت من رأسها لأخمص قدميها في إعادة ترتيب «البيت الهلالي» عقب مهامها الجديدة التي وضعتها في موقع الأم الكبرى للجميع، وبرغم حداثة سنها التي لم تتعد الرابعة والعشرين.
إضافة إلى أخذ الجازية وراثة الأميرة الأم - شماء - والانفراد الأكبر بالقرار، ويا له بالطبع من قرار أصبحت تفرضه الطبيعة المحيطة التي تحط بأثقالها وكوارثها على الهلالية وعرب الجزيرة عامة نتيجة للجدب الذي دخل عامه السادس وقوض كل أخضر ويابس في نجد وما حولها! وهو ما يستلزم الإقدام على الحركة السريعة اليقظة لتجاوز الكارثة التي لا حد لها. - اليوم قبل الغد.
وهو ما أكدته وصية الشماء وقتله الجميع بحثا، مطالبين بالخروج والهجرة ومعاودة الفتوحات قبل فوات الأوان.
لذا فالقرار هنا متروك بانتظار أن تنطق به يوما شفتا الجازية. - الرحيل.
لتنطلق على الفور طبول الحرب الكبيرة المسماة ب «الرجروج»، المتوارثة منذ أيام ملوك العرب القدامى وتباعنتهم، بدءا من يعرب أبي العرب العاربة وعبد شمس بن سبأ وحسان اليماني ومن نسلهم من التباعنة - جمع ملك أو تبع - لذا فالقرار الكبير الملح بالزواج يجيء في رأس الجازية وفي مخيلتها في غير أوانه. ومما زاد الأمر تعقيدا تلك الضغوط بطلب الزواج منها من الأميرين دياب وشكر وهي على هذا النحو؛ من الكدح والطحن اليومي في نجد وما حولها من مدن وكيانات ومضارب تبعد آلاف الفراسخ، وعليها أن تقطعها طولا وعرضا ليل نهار تتلقى سيول الكوارث تلو الكوارث من التي تراكمت في السنوات الأخيرة على عرب الجزيرة.
وهو ما لم يعتقده الهلاليون الذين بدوا على مدى سنين الجدب الأخيرة السبع أقرب إلى عقد منفرط الخرزات بإزاء الكوارث التي حطت والتي أوهنت من سواعدهم الضاربة مشرقا ومغربا، بل والأكثر مرارة هنا هو تمرد حلفائهم عليهم أخذا بمبدأ «وقع الجمل وكثرت سكاكينه».
لذا فالأولوية هنا من وجهة نظر الجازية هو تضميد ما يمكن من جراحات، وترطيب أفواه هدها العطش وجفاف الأفواه من كبيرها لصغيرها لدرجة الإقدام على بيع كنوز الشماء أمها التي «تقطع بمال الغرب وأبوه»، والتي لا نهاية لندرتها، لشراء ما يلزم من ضرورات سد الرمق.