فأقيمت الولائم لمدة عشرة أيام، وأشيع على كل لسان مدى تخوف دياب بن غانم من البحر وأهواله الذي كم دأب على ذكره دياب: أكره البحر وأخشاه منذ الصغر.
وضحكت الأميرات الهلاليات وتندرن كثيرا بعقدة دياب بن غانم تلك ونوادره مع البحر وأمواجه العاتية، وهو البدوي الذي لم يترب عليه، كما هو الحال مع أبي زيد الذي لا تخفى عنه من المحيط إلى الخليج خافية.
| جمع المشورة للهجرة والحرب
وما إن انتهت أيام جنازة الأميرة الأم قائدة الهلالية «شماء» التي تورثتها أختها الصغرى شيما أو نور بارق التي عرفت بالجازية كقائدة للهلالية، حتى عاد الضيوف الزائرون لنجد إلى أوطانهم وكياناتهم وقبائلهم، بعد تدارسهم وصايا الأميرة شماء وأخذ المشورة ومعاودة الجهاد.
عاد حاكم العراق الأعلى الخفاجا عامر ووالد الأمير النجع وابنته «ذوابة»، وعاد الأمير جابر وابنته الفاتنة العالية، وعاد أمير مكة «شكر» بعدما راقت الجازية في عينيه فأقدم على مفاتحة شقيقها السلطان حسن بن سرحان برغبته في الزواج منها، والوقوف تحت رايات الهلالية فيما هم عليه مقبلون.
ولم يجد السلطان حسن جوابا شافيا يرد به على أمير مكة «شكر»، سوى مفاتحتها في الأمر وأخذ مشورتها، وهي التي لها ثلث المشورة تنفرد بها لدى انعقاد اجتماعات ولقاءات «الشورى»، التي عادة ما تعقد قبل الإقدام على اتخاذ القرارات المصيرية من حروب وفتوحات ومنازعات أو هجرات جماعية تصل إلى مئات الألوف، يتقدمهم المحاربون واحتياطيهم وتتبعهم أسرهم إلى أن ينتهي الأمر ب «البوش» من مؤن وسلاح وعتاد وخيول وجمال محملة مع البهائم، بالإضافة إلى أكداس وكنوز الغنائم وأسرى الحرب والجرحى والمصابين والعجائز والمعوقين وهكذا.
فالأمر هنا أقرب إلى أمة متضمنة لدولة محكمة التنظيم مهاجرة وفاتحة ومعربة، فارضة فروضها وأحكامها التي قوامها محبة الله وحفظ شرائعه، والتخلق بأخلاق الكرام بتجنب الإلحاح في الكلام وعثرات اللسان؛ لأن صدور الأحرار قبورها، فمن صان نفسه ملك أمره، ومن باح لم ينجح وزاد ندمه.
أما بالنسبة إلى حكامهم فعليهم الالتزام بالسنن أو «القواعد الهلالية»، التي أسهمت الأميرة الأم «شماء» ووريثتها الجازية والسلطان حسن في إرسائها:
فإياك أن تغفل عن أحوال الرعية، معاملا الكبير والصغير بالسوية، رافعا لشكوى المظلوم حجابك، فاتحا في وجهه بابك، واضعا الأشياء في محلها، والمناصب في يد أهلها. فإذا كانوا على هذه الحال، تستقيم أحوال الرعايا وينتشر العدل في كل مكان، فترعى الذئاب مع الغنم، وتبيت العصافير مع الرخ.
ومن هنا وجد حسن نفسه في مأزق، دفع به - وقبل أي شيء - إلى مفاتحة الجازية وطرح رغبة أمير مكة «شكر» في الزواج منها، علما أن ذات الرغبة لمح لها دياب بن غانم باعتباره الأحق في الزواج منها قبل غيره.
لذا تساءل السلطان حسن الهلالي مترددا محدثا نفسه: والحل؟
إلى أن عثر على ضالته، بطرح الأمر بين يدي صاحبة المشورة أخته الأميرة الجازية، فهي وحدها التي يحق لها الاختيار بالزواج من أحد الأميرين، هي وحدها التي يحق لها قبل أي إنسان آخر التصرف في حياتها ومستقبلها وما يحن إليه قلبها المفعم دوما بالحب للجميع.
صحيح أن الأحقية الأولى في الزواج من الأميرة الجازية هي من نصيب أمير تحالف عرب جنوب جزيرة العرب دياب بن غانم؛ وذلك لضمان توثيق الروابط بين شقي التحالف الهلالي، أي بين النجديين والحجازيين «العدنانيين» وبين قبائل عرب اليمن والجنوب العربي عامة من «القحطانيين»، وقائدهم وفارسهم هنا هو الأمير دياب بن غانم.
بل إن السلطان حسن بن سرحان سبق له فعلا أن قطع على نفسه عهدا بزواج الجازية من دياب بن غانم، وحدث ذلك في مناسبة حفل زواج السلطان حسن نفسه من أخت دياب «الأميرة نوفلة» منذ ما يربو على العشرين عاما، وأنجب منها أبناءه الثلاثة يونس ومرعي ويحيى.