وضاعف من مداعباته حين اعترضه منسحبا قائلا: وأنا، آجي؟ لا أحد يريدني.
وعلت الضحكات المتكتمة مما يحدث: من يصدق أن هذا بعينه أبو زيد؟ أية حيلة؟!
هنا اندفع أبو زيد داخلا إلى ديوان الحريم - أو المحصنات - والتقت عيناه من جديد بعيني العالية بنت جابر جالسة في انكماش إلى جانب الأميرة نوفلة، حتى اعتراه من جديد الاضطراب الذي سبق أن دفع به إلى الاختباء، فتوقف متعثرا منكسا في عتبة الديوان، إلى أن قاربته نوفلة وهي تسحب إلى الخلف منها العالية شبه دامعة: العالية ابنة عمك الأمير جابر.
وحين لامست قبضته يدها أحس وخزا كمثل حربة همجية مست بنصلها شغاف قلبه، وغمغم منكسا: العالية بنت عمي.
أجلسته الأميرة نوفلة، وهو منقاد لها كطفل صغير يسلم قياده إلى أمه مسلوبا من كل إرادة إلى جوارها، فحط منزويا من فوره: لحمي.
وكما لو أن العالية بدورها ترصدت بجلاء وتفهم حصيف ما يعانيه فارس الهلالية، فراحت تتأمله من تحت أهدابها خلسة لدرجة أن النساء الهلاليات والعامريات تزاحمن متفجرات بكل دهشة وانبهار، مما تختلسه عيونهن من خلف الشبابيك والمشربيات والستائر المسدلة، خاصة وقد تناولت العالية بنت جابر تفاحة من أطباق الفاكهة والحلوى التي تقدمت بها الجاريات ومضت تقشرها له بسكينها مقدمة في حنو.
فبدى المشهد للهلاليات والعامريات كمثل يوسف مع امرأة عزيز مصر، حين غالبها البكاء أمام صديقاتها من النساء بكت زليخة وقالت:
عشت في الذل لمتوني
في حب يوسف يا بني يعقوب
لمتوني ...
ولما جالها البيض في أوان عصر
ومالوا وقالوا لها
فين يا زليخة اللي عليه البيان سكين؟
ما فتحت لهم زليخة الباب
ما خرطت يدهم سكين
قالت لهم
أهو يا مساكين اللي عليه لمتوني.
بدا مشهد «العالية وأبو زيد الهلالي» تحت إضاءات الشموع الخابية، باهرا من وجهة نظر الفتيات المتلصصات في حذر، وأولهن الجازية التي اعتراها ذبول كمثل غصن يتخلى عنوة عن رحيقه: أبو زيد. •••
كانت الأميرة «نور بارق» أو «الجازية» تحب من أعماقها أبا زيد منذ أن التقت عيناها به عقب عودته إلى نجد ومضارب الهلالية كفارس في مطلع شبابه المبكر، وهو الذي تربى يتيما في منفاه لدى قبائل بني الزحلان على مشارف بقاع بلاد الشام منذ مولده كطفل جاء كعنترة على غير لون آبائه ويدعى بركات، لحين تحقق انتصاراته وذيوع صيته الذي عم ربوع جزيرة العرب بأسرها عقب غزواته ومنازلاته وملاحمه التي عرفت عنه.
وكان أكثر ما يلهب حب الجازية لأبي زيد عقب عودته إلى دفء القبيلة لينصب فارسها الأول، هو ذكاؤه الخارق وسعة علمه ومعارفه التي لا حد ولا نهاية لمدى عمقها وتشعبها وطاقاتها، وهو الذي ينطق عن جدارة بمعظم إن لم يكن الألسنة واللغات واللهجات المتداولة على ألسن الأعداء قبل الحلفاء.
وكانت الجازية تنصت له وهو يتحدث معلما ومحاضرا، سواء في الفروسية وأصولها أو في طبائع الأقوام والبلدان والأسفار وعادات الشعوب والأمم التي زارها محاربا وسائحا ومغامرا جوابا ومتخفيا.
كانت تذوب حبا وهي تشهد منازلاته وإيماءاته وتفتحاته وتبدياته تحت مختلف جلود البشر؛ ما بين كاهن تطغى لحيته على صدره، أو شاعر جوال وكهل أعمى، وسائس «خيل الأجاويد»، وشحاذ سائل، وحاو يلعب بالبيضة والأرنب، وحكيم جوال عبر النجوع والبوادي يشفي المرضى والمعلولين ويناصر الضعفاء.
كل هذا وأكثر منه حقق به أبو زيد الانتصار تلو الانتصار للهلالية كما شهدته الجازية على يديها ... بل ما تعلمته منه، حيث كان يصب الكلام في أذنيها قائلا: يا نور يا بنة عمي، أنا صحيح سككي كلها مسالك، لكن المهم هنا هو أقصرها لتحقيق انتصار الهلالية الآن بأسرع من انطباق الجفن على الجفن.
كان ما يبهرها فيه هو فيض معرفته وهو يحادثها عن تاريخ العرب - العاربة - ومآثرهم عن ملوك وتباعنة اليمن، وبحر العرب من مخلفات القدماء من صرواح وطرواح وبقايا الآراميين والثموديين والسبئيين وملكتهم بلقيس بنت الهدهاد، عن بطولات الذباء والزرقاء، وقيم وبطولات النساء العربيات الأمازونيات - المقاتلات .